مجلس السلام تحول إلى مجلس لديمومة احتلال قطاع غزة..بدلا من العمل نحو تعافي قطاع غزة المبكر

ما وراء الأطلسي: إعادة التموضع الاستراتيجي لواشنطن وولادة أوروبا الدفاعية

ما وراء الأطلسي: إعادة التموضع الاستراتيجي لواشنطن وولادة أوروبا الدفاعية

تاريخ النشر: 2026-03-29 | 10:27

في خضم التحولات الكبرى التي يشهدها النظام الدولي،يعود الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ليفرض بقوة رؤيته القائمة على مبدأ "الدفع مقابل الحماية"،هذه المرة عبر تهديد وجودي يلوح في الأفق الأوروبي: سحب القوات الأمريكية من ألمانيا.هذا القرار الذي يدرس الرئيس ترامب جدية تنفيذه،لم يعد مجرد ورقة ضغط في لعبة دبلوماسية عابرة،بل تحول إلى مؤشر واضح على نضوب صبر واشنطن تجاه ما تصفه بـ"تقاعس" الحلفاء الأوروبيين،واعتمادهم المفرط على العباءة العسكرية الأمريكية التي وفرت لهم عقودا من الأمان بتكلفة سياسية واقتصادية كانت واشنطن تتحمل نصيب الأسد فيها.

إن جوهر الأزمة لا يتعلق فقط بالأرقام التي تنفقها الدول الأوروبية على دفاعها،بل يتعداها إلى فلسفة الحلف ذاتها.فوفقا للرؤية التي يتبناها ترامب،فإن حلف شمال الأطلسي (الناتو) لم يعد تحالفا قائما على التزامات أخلاقية وتاريخية متراكمة منذ الحرب العالمية الثانية،بقدر ما هو نظام عقود بين مقاول أمني (الولايات المتحدة) وعملاء (الدول الأوروبية) يجب أن يلتزموا ببنودها المالية.ولعل أقصى تجليات هذه الفلسفة هو ما تم التلويح به من فرض شرط صارم يقضي بحرمان أي دولة لا تخصص 5% من ناتجها المحلي للدفاع من حق التصويت داخل الحلف. هذا الشرط،لو تم تطبيقه،لن يكون مجرد إجراء تقني،بل سيمثل قلبا كاملا لهندسة القرار داخل "الناتو"، محولا إياه من تحالف يقوم على التوافق السياسي إلى ناد مالي مغلق تقاس فيه الأهمية الاستراتيجية بحجم الإنفاق وليس بثقل الموقع أو عمق المخاطر المشتركة.

إن تنفيذ هذه التهديدات،وخاصة سحب القوات من ألمانيا التي تعتبر قلب العمليات العسكرية الأمريكية في أوروبا،سيمثل زلزالا جيوسياسيا يهز أسس الأمن في القارة العجوز.فوجود القوات الأمريكية لم يكن يوما مجرد قوة ردع عسكري موجه نحو موسكو،بل كان أيضا الضامن غير المعلن للتوازنات الداخلية في أوروبا،والذي أتاح لدول القارة التحرر من أعباء التسلح الباهظة والتركيز على بناء نموذجها الاجتماعي والاقتصادي.وإزالة هذه الضمانة ستعيد أوروبا إلى نقطة صفرية من حيث المسؤولية الدفاعية،لتجد نفسها فجأة أمام تحدٍ وجودي كان مؤجلا لعقود: إما البحث عن بدائل دفاعية مستقلة قادرة على سد الفراغ الأمني،أو الاستسلام لواقع الانقسام الداخلي الذي قد يدفع بعض الدول الأوروبية إلى إعادة ترتيب تحالفاتها بما يضمن أمنها القومي المنفرد.

هذا السيناريو يمثل اختبارا حقيقيا لمشروع "الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي" الذي طالما نوقش في أروقة بروكسل بوصفه طموحا بعيد المنال.فالواقع أن أوروبا،رغم امتلاكها اقتصادا ضخما وقدرات تكنولوجية متقدمة،لا تزال تفتقر إلى البنية الموحدة للقيادة العسكرية وسلاسل الإمداد والاستخبارات التي توفرها الولايات المتحدة.بالتالي،فإن أي انتقال نحو الاستقلال الدفاعي سيكون محفوفا بتكاليف باهظة،ليس فقط من الناحية المالية،بل من ناحية زمنية أيضا، إذ لا يمكن بناء بديل متكامل للمظلة الأمريكية بين ليلة وضحاها في ظل تهديد أمني متصاعد على الحدود الشرقية للقارة.

في الختام،يبدو أن الرئيس ترامب،من خلال هذه التهديدات،لا يسعى فقط إلى تعديل شروط العضوية في حلف شمال الأطلسي،بل يعمل على إعادة تعريف طبيعة العلاقة عبر الأطلسي بأكملها. فالمسألة لم تعد تقتصر على استكمال نسب الإنفاق الدفاعي،بل تحولت إلى استفتاء صريح حول استعداد أوروبا لتحمل مسؤولية مصيرها الأمني بعيدًا عن الظل الأمريكي.

 وإذا كان "الناتو" قد تشكل في القرن العشرين لردع التهديدات الخارجية،فإنه اليوم يواجه أزمة وجودية من الداخل،حيث يحاول أكبر حلفائه فرض رؤية تقوم على تسييس التحالف وتحويله إلى أداة لتحقيق أولويات قومية أمريكية بحتة. إن نجاح أوروبا في تجاوز هذه اللحظة أو انهيارها تحت وطأة هذه الضغوط سيكون الفيصل الحقيقي الذي يحدد ما إذا كانت القارة العجوز قادرة على التحول من متلق للحماية إلى فاعل استراتيجي حقيقي في عالم يعيد فيه القوي تشكيل قواعد اللعبة بلا هوادة.

في العمق،لا تعكس هذه التطورات مجرد خلاف عابر حول حصص الإنفاق الدفاعي،بل هي إعلانٌ عن نهاية حقبة كاملة من "التبعية المُطمئنة" التي ركنت إليها أوروبا طيلة سبعين عاما.فإذا كانت إدارة ترامب تسعى لإعادة تعريف الناتو وفق شروط تجارية بحتة،فإن أوروبا أمام لحظة تاريخية لا يمكنها فيها التذرع بالتقاعس أو انتظار نتائج انتخابات أمريكية مقبلة.والخيار الذي يلوح في الأفق ليس بين بقاء المظلة الأمريكية أو سقوطها،بل بين هوية أوروبية دفاعية مستقلة تعيد بناء مفهوم السيادة الأمنية،أو أوروبا مجزأة تترنح بين أهواء السياسة الداخلية لواشنطن. 

إن الاختبار الحقيقي للقارة العجوز سيكون في قدرتها على تحويل هذا الزلزال السياسي إلى لحظة ولادة حقيقية لقدراتها الدفاعية الذاتية،وإلا فإنها ستظل رهينة لصراع قوى لا تمتلك فيه سوى مقعد المشاهد،بينما تُرسم مستقبل حدودها وأمنها خارج عواصمها.

×
أخبار
بعد رفض شعبي..ترامب يرفض البث الحي لإعدام نضال حسن دبلوماسيان أمريكيان يحذران: تراجع الدعم الأمريكي لإسرائيل يهدد مكانتها الاستراتيجية ووجودها باهتة وغير حاسمة.. خبير بريطاني يحلل أسباب تعثر القوة الجوية الأمريكية والإسرائيلية ضد إيران "خسائر بمئات المليارات": تحولات ديموغرافية تهدد الاقتصاد الإسرائيلي ليبرمان يرفض دعم حكومة أقلية ويتعهد بائتلاف "صهيوني حصراً" استهداف قصر معاشيق الرئاسي في عدن بـ 4 صواريخ باليستية وتصاعد كثيف للدخان نتنياهو: أمليت موقفي على الشرع في مكالمة قصيرة وواضحة لوقف استهداف الدروز في خطوة تاريخية.. رابطة أمريكية للعلوم السياسية تصويت بالأغلبية لصالح المقاطعة الأكاديمية لإسرائيل مجلس السلام يعلن استكمال آليات الرقابة والمعايير المالية لتنفيذ خطة غزة السيسي: أمن السعودية ودول الخليج خط أحمر واستقرار غزة والسودان وليبيا من مقتضيات الأمن القومي العربي شبكة إعلانات إسرائيلية تتجسس على ملايين المستخدمين والمؤسسات الدولية لصالح شركات اختراق وتجسس تقرير حقوقي يكشف شهادات حول إطلاق حراس سجون الاحتلال النار على الأسرى الفلسطينيين داخل الزنازين نتنياهو يعلن إنشاء جدار أمني ضخم على الحدود الشرقية من اليرموك إلى إيلات ملادينوف يعلن تعليق تنسيق البضائع للقطاع الخاص بغزة ويدعو للإسراع بانتشار القوة الدولية الاتحاد الأوروبي ودول الخليج اتفقوا على تأجيل القمة المقرة بينهما في الرياض باكو: وفود عربية بيها فلسطين وتركيا وباكستان تغادر قاعة المؤتمر خلال كلمة هرتسوغ صندوق النقد الدولي يحذر من طول أمد الحرب والاضطرابات المتجددة كأكبر تهديد للشرق الأوسط الصحة: ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,396 شهيدا آيزنكوت يتعهّد بهزيمة "حماس" خلال 18 شهراً بعد قضية المسبحة.."استقالة" وزير الأوقاف الفلسطيني نتنياهو وسموتريتش يعتزمان نشر نحو ألفَي مراقب في صناديق الاقتراع بالبلدات العربية هجوم حوثي على مقر أرامكو بالظهران يدمر مكاتب الرئيس التنفيذي وكبار المسؤولين مجلس سلام ترامب لديمومة الموت في غزة! قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس: اقتحامات واعتقالات ومواجهات تحقيق جديد في الكونغرس حول تضارب مصالح كوشنر واستثماراته الإسرائيلية والخليجية سي إن إن: أمريكا تضع خططاً لاستخدام "أم القنابل" ضد إيران وثائق كتبها مساعدو نتنياهو تكشف مسؤوليته عن إخفاق 7 أكتوبر وتناقض روايته حول حماس الغارديان: إسرائيل تعرقل إنشاء قاعدة لمجلس السلام في غزة ترامب: كان ينبغي الإبقاء على قادة إيران السابقين لأنني لا أعرف مع من نتفاوض صفقة الديزل الروسي تثير الجدل.. ترامب يحمل زيلينسكي مسؤولية حرب الطاقة ويدعم موسكو

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط