مجلس السلام تحول إلى مجلس لديمومة احتلال قطاع غزة..بدلا من العمل نحو تعافي قطاع غزة المبكر

لعنة الجغرافيا وذاكرة التاريخ — بين ديمومة الصراع ووحدة المصير العربي

لعنة الجغرافيا وذاكرة التاريخ — بين ديمومة الصراع ووحدة المصير العربي

تاريخ النشر: 2025-10-20 | 11:18

غزّة ليست مجرد شريط ضيّق على الساحل الشرقي للبحر المتوسط، بل هي مفصلٌ تاريخي وجغرافي تختزن في تضاريسها خلاصة الصراع بين الشرق والغرب منذ آلاف السنين. من بوابة الفتوحات الإسلامية إلى غزوات الصليبيين والمغول، ومن حملة نابليون إلى الحروب العربية الإسرائيلية الحديثة، شكّلت غزّة الساحة التي تُختبر فيها إرادة الأمة، ويُقاس من خلالها مدى قدرتها على الصمود أو الانكسار.
اليوم، وفي ظل التحولات الإقليمية والدولية، تعود غزّة لتؤكد أن الجغرافيا لا ترحم من يتجاهل حقائقها، وأن التاريخ يعيد نفسه ما لم نقرأه بوعيٍ استراتيجي وبمنهجٍ قانوني يحمي الوجود قبل الحدود
أولاً: الجغرافيا التي تصنع قدر الشعوب
تقع غزّة عند نقطة التقاء آسيا بأفريقيا، في موقعٍ جعلها مطمعًا ومعبراً لكل الغزوات عبر التاريخ. فهي بوابة مصر إلى بلاد الشام، ومفتاح طرق التجارة القديمة بين الشرق والغرب. هذه الخصوصية الجغرافية منحتها أهمية استراتيجية لكنها في الوقت ذاته جعلتها عُرضة للغزو والاحتلال، من الفراعنة إلى الرومان، ومن الصليبيين إلى البريطانيين، وصولاً إلى الاحتلال الإسرائيلي الذي ما زال يفرض حصارًا خانقًا على أكثر من مليوني فلسطيني.
إنّ هذه الجغرافيا تُثبت أن غزّة ليست مجرد مساحة نزاع سياسي، بل ركيزة في الأمن القومي العربي، وأن السيطرة عليها أو تحييدها ينعكس مباشرة على معادلات القوة في بلاد الشام وشمال أفريقيا.
ثانياً: التاريخ يعيد نفسه — من الفتوحات إلى مقاومة الاحتلال
منذ أن دخلها عمرو بن العاص في صدر الإسلام، كانت غزّة بوابة الفتح الإسلامي نحو أفريقيا، ومركزًا للتجارة والثقافة، ثم تحولت إلى ساحة مواجهة ضد الغزوات الصليبية والمغولية، ومنها انطلقت شرارة الرفض لكل قوة غازية حاولت إخضاع شعوب المنطقة.
وفي العصر الحديث، حين وصل نابليون بونابرت إلى مشارفها عام 1799، واجه فيها ذات الروح التي واجهها الصليبيون قبله — روح المقاومة المتجذرة في وعي أهلها وهويتهم العربية.
اليوم، تستمر تلك الروح في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي، لكن بأدوات جديدة — من الصمود الشعبي إلى النضال السياسي، ومن المعركة الميدانية إلى المعركة القانونية في المحافل الدولية.
ثالثاً: إسرائيل ونهج القضم المتدرّج
لم تعد إسرائيل تؤمن بمفهوم “الضربة القاضية” في حروبها، فهي تدرك أن السيطرة الكاملة على غزة مستحيلة سياسيًا وإنسانيًا. لذلك تعتمد نهج القضم المتدرّج: ضربات محدودة، اغتيالات نوعية، سيطرة على المعابر، وضغوط اقتصادية متواصلة.
تهدف هذه السياسة إلى إنهاك المجتمع الفلسطيني وإخضاعه لشروط تفاوضية تُفرض تحت النار، وتهيئة الأرضية للمرحلة الثانية التي تخطط لها إسرائيل: نزع سلاح المقاومة تحت غطاء تفاوضي دولي.
لكن هذه السياسة لا تنفصل عن التاريخ — فهي امتداد للعقيدة الصهيونية التي تقوم على فرض الأمر الواقع وإدارة الصراع بدلاً من حسمه، بهدف إبقاء المنطقة في حالة استنزاف دائم.
رابعاً: حماس والتهدئة — بين الضرورة والمبدأ
رغم التوترات المتكررة، تُظهر حماس التزامًا نسبيًا باتفاقات التهدئة ما دامت تحقق مصلحة فلسطينية داخلية وتتيح لها إعادة ترتيب صفوفها.
فمن الناحية التحليلية، لو أرادت الحركة خرق الاتفاق الأخير لكانت فعلت ذلك منذ بداياته، لكن الثابت أن إسرائيل هي من تخرق التفاهمات عمدًا لتعيد الصراع إلى المربع الأول، مستخدمةً التهدئة كوسيلة لتثبيت قواعد اشتباك جديدة.
القانون الدولي هنا واضح: الاحتلال هو من يتحمّل المسؤولية القانونية عن أي تصعيد، باعتباره الطرف المسيطر والمحتل، وفق اتفاقيات جنيف الرابعة وقرارات الأمم المتحدة المتعلقة بحماية المدنيين تحت الاحتلال.
خامساً: البعد القانوني — غزّة تحت الحصار جريمة حرب ممتدة
الحصار المفروض على غزّة منذ عام 2007 يشكل وفق القانون الدولي الإنساني جريمة حرب جماعية، كونه يستهدف المدنيين ويمسّ مقومات حياتهم الأساسية.
تقارير الأمم المتحدة، بما فيها تقارير المفوض السامي لحقوق الإنسان ولجنة التحقيق الخاصة بفلسطين، أكدت أن منع الغذاء والدواء والكهرباء والماء عن السكان، ومنع حرية التنقل، يمثل عقوبة جماعية محظورة دولياً.
هذا الواقع يفرض على المجتمع الدولي التزامًا قانونيًا وأخلاقيًا بالتحرك لإنهاء الحصار، وتوفير الحماية الدولية للفلسطينيين في قطاع غزّة، باعتبارهم شعبًا واقعًا تحت احتلال مستمر.
سادساً: وحدة بلاد الشام وأفريقيا — المعادلة الغائبة في مواجهة الخطر
إنّ الدفاع عن غزّة ليس شأنًا فلسطينيًا صرفًا، بل هو مسؤولية عربية وإفريقية مشتركة، لأن أمن فلسطين من أمن بلاد الشام، وأمن الشام من أمن أفريقيا.
فالمخططات التي تستهدف تجزئة المشرق العربي وابتلاع موارده لا تنفصل عن مساعي القوى الدولية لإضعاف القارة الإفريقية وتقويض استقلالها الاقتصادي والسياسي.
لقد علّمنا التاريخ أن غزّة كانت دائمًا الجسر الذي يربط الشام بمصر، وأن وحدة هذين المحورين كانت الضمانة الأساسية لردع الغزاة منذ الفتوحات الإسلامية وحتى معارك التحرر في القرن العشرين. واليوم، فإن إعادة بناء محور استراتيجي يضم بلاد الشام وشمال أفريقيا هو الرد الحقيقي على مشروع التفكيك الإسرائيلي–الغربي الجديد.
سابعاً: الدروس الاستراتيجية — من الماضي إلى الحاضر
1. الانقسام هو مدخل الهزيمة: كما كان في زمن الغزوات الصليبية والمغولية، فإن التفكك الداخلي هو أخطر ما يهدد الأمة اليوم.
2. القانون سلاح المقاومة المعاصرة: توثيق جرائم الاحتلال ورفعها أمام المحاكم الدولية هو امتداد للمقاومة بوسائل مدنية مشروعة.
3. الوحدة الجغرافية تعني الأمن: غزّة ليست جزيرة، وأمنها مرتبط بالأمن القومي العربي من الخليج إلى الأطلسي.
4. الحصار لا يُكسر بالقوة فقط بل بالتكامل: التنمية المشتركة والتكامل الاقتصادي العربي–الإفريقي يشكلان خط الدفاع الأول ضد الحروب الاقتصادية والسياسية المفروضة.
ثامناً: نحو رؤية استراتيجية شاملة
لكي لا تبقى غزّة رهينة الجغرافيا والتاريخ، يجب أن يُعاد دمجها ضمن مشروع عربي–إفريقي متكامل يقوم على:
إعادة بناء محور الشام–أفريقيا اقتصاديًا وأمنيًا.
تفعيل الميثاق العربي لحقوق الإنسان لتوفير مظلة قانونية لحماية الشعب الفلسطيني.
إطلاق مبادرة عربية–إفريقية لإعادة إعمار غزّة خارج الوصاية الدولية.
إقامة لوبي قانوني ودبلوماسي مشترك لملاحقة جرائم الاحتلال أمام المحاكم الدولية.
خاتمة
غزّة اليوم تقف عند مفترق التاريخ كما وقفت في كل مرحلة مفصلية من تاريخ الأمة. جغرافيتها التي جعلت منها مطمعًا جعلتها أيضًا حصنًا لا يُكسر، وتاريخها الذي شهد الغزوات والاحتلالات أثبت أن روحها لا تُهزم.
الصراع على غزّة ليس صراعًا على أرضٍ فحسب، بل على هوية الأمة وحقها في تقرير مصيرها.
ولأن الجغرافيا قدر، ولأن التاريخ شاهد، فإن ديمومة الصراع في غزّة ستبقى جزءًا من معركة الوعي العربي للدفاع عن الوجود، ما لم تتحول الجغرافيا من لعنة إلى رسالة، والتاريخ من ذاكرة ألم إلى ذاكرة مقاومة وتمسك بحق تقرير المصير وسيادة الأرض والوطن وبناء مستقبل أفضل.

×
أخبار
شاهين طالبت اتخاذ خطوات جدية لوقف المشاريع الاستيطانية ومخططات الضم لإقامة دولة فلسطين بعد رفض شعبي..ترامب يرفض البث الحي لإعدام نضال حسن دبلوماسيان أمريكيان يحذران: تراجع الدعم الأمريكي لإسرائيل يهدد مكانتها الاستراتيجية ووجودها باهتة وغير حاسمة.. خبير بريطاني يحلل أسباب تعثر القوة الجوية الأمريكية والإسرائيلية ضد إيران "خسائر بمئات المليارات": تحولات ديموغرافية تهدد الاقتصاد الإسرائيلي ليبرمان يرفض دعم حكومة أقلية ويتعهد بائتلاف "صهيوني حصراً" استهداف قصر معاشيق الرئاسي في عدن بـ 4 صواريخ باليستية وتصاعد كثيف للدخان نتنياهو: أمليت موقفي على الشرع في مكالمة قصيرة وواضحة لوقف استهداف الدروز في خطوة تاريخية.. رابطة أمريكية للعلوم السياسية تصويت بالأغلبية لصالح المقاطعة الأكاديمية لإسرائيل مجلس السلام يعلن استكمال آليات الرقابة والمعايير المالية لتنفيذ خطة غزة السيسي: أمن السعودية ودول الخليج خط أحمر واستقرار غزة والسودان وليبيا من مقتضيات الأمن القومي العربي شبكة إعلانات إسرائيلية تتجسس على ملايين المستخدمين والمؤسسات الدولية لصالح شركات اختراق وتجسس تقرير حقوقي يكشف شهادات حول إطلاق حراس سجون الاحتلال النار على الأسرى الفلسطينيين داخل الزنازين نتنياهو يعلن إنشاء جدار أمني ضخم على الحدود الشرقية من اليرموك إلى إيلات ملادينوف يعلن تعليق تنسيق البضائع للقطاع الخاص بغزة ويدعو للإسراع بانتشار القوة الدولية الاتحاد الأوروبي ودول الخليج اتفقوا على تأجيل القمة المقرة بينهما في الرياض باكو: وفود عربية بيها فلسطين وتركيا وباكستان تغادر قاعة المؤتمر خلال كلمة هرتسوغ صندوق النقد الدولي يحذر من طول أمد الحرب والاضطرابات المتجددة كأكبر تهديد للشرق الأوسط الصحة: ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,396 شهيدا آيزنكوت يتعهّد بهزيمة "حماس" خلال 18 شهراً بعد قضية المسبحة.."استقالة" وزير الأوقاف الفلسطيني نتنياهو وسموتريتش يعتزمان نشر نحو ألفَي مراقب في صناديق الاقتراع بالبلدات العربية هجوم حوثي على مقر أرامكو بالظهران يدمر مكاتب الرئيس التنفيذي وكبار المسؤولين مجلس سلام ترامب لديمومة الموت في غزة! قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس: اقتحامات واعتقالات ومواجهات تحقيق جديد في الكونغرس حول تضارب مصالح كوشنر واستثماراته الإسرائيلية والخليجية سي إن إن: أمريكا تضع خططاً لاستخدام "أم القنابل" ضد إيران وثائق كتبها مساعدو نتنياهو تكشف مسؤوليته عن إخفاق 7 أكتوبر وتناقض روايته حول حماس الغارديان: إسرائيل تعرقل إنشاء قاعدة لمجلس السلام في غزة ترامب: كان ينبغي الإبقاء على قادة إيران السابقين لأنني لا أعرف مع من نتفاوض

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط