مجلس السلام تحول إلى مجلس لديمومة احتلال قطاع غزة..بدلا من العمل نحو تعافي قطاع غزة المبكر

كلمة الدكتور نهاد البقاعي حفل اشهار كتاب د.صائب عريقات

كلمة الدكتور نهاد البقاعي حفل اشهار كتاب د.صائب عريقات

تاريخ النشر: 2018-12-25 | 13:19

بين الزمان والمكان، الراوي والمروي على أهميتهم، لا أجدُ بدًّا الا البدء بالحديث عمن هو صاحب الشأن في حضرة هذا الكتاب؛ انه فارس فلسطين الأول، لا كلقبٍ ورثه، ولا كمجدٍ وجده على قارعة الطريق؛ ليس قائدا  سار في الطريق، وانما من شقّ هذا الطريق.

ولا نقاش بأن القادة الطلائعيين يؤثرون بالضرورة في سيرورة الشعوب، وكينونة الأوطان، ولكن قلائل هم القادة في التاريخ الذين شكلت سيرتهم الذاتية الشخصية، كلها من أولها الى آخرها، سيرة وطن ومسيرة شعب.

ياسر عرفات هو أحد هؤلاء القلة النادرة في التاريخ. لا نطمح في هذا السياق الى أسطرة الشخصيات، ولا شخصنة الأوطان.. ولكن، على مدار أكثر من نصف قرن، لم يرتبط الشعب الفلسطيني ولا مشروعه الوطني المعاصر، ولا حركته الوطنية، ولا قضيته ونضاله واحلامه، انكساراته ومعاناته وصموده بشخص مثلما ارتبطوا جميعا بشخص ياسر عرفات.

بل أن الأغرب والأندر، أن هذه السيرة الطويلة محفوفة المخاطر والتحديات، لم تعتد الصمود والتحدّي فحسب، بل أنها اعتادت أيضا النهوض بعد أي انكسار، وألفت الانبعاث من جديد.

ولعل الأجدر قبل التطرق الى سنوات الحصار، والتفاصيل الدقيقة للسنوات الاخيرة من حياة الشهيد ياسر عرفات، أن ندرك ان الدكتور صائب عريقات يعرض في هذا الكتاب القيمة الكبيرة لياسر عرفات له شخصيا أولا، ولمجمل ابناء الشعب الفلسطيني ثانيا، خصوصا في مرحلة هي من أكثر مراحل الاستهداف حرجًا وخطورةً.. إن هذا الكتاب أولا، وقبل أن يكون وثيقةً تاريخيةً دامغةً، هو مشروعُ وفاءٍ بامتياز للشهيد ياسر عرفات، خطَّها من كان رفيق دربه، وصاغ معه أبرز مفاصل هذه المرحلة.

وبين خفايا السطور في هذا الكتاب، وتفاصيل المقترحات والليالي الطويلة، ومشقات السفر، لا تخفى مرارة الفقدان وحجم الخسران التي يشعرها الكاتب لغياب هذا القائد لدرجة استحضرتني وانا أقرأ صفحات الكتاب، تلك القصة المشهورة المألوفة للجميع، لرفاق بحثوا عن كنز، واكتشفوا فـي نهاية الطريق أن الكنز لم يكن أسمى من تلك الرِّفقة التي ربّاها مسار الطّريق. وأي كنز، هو المسير نحو الوطن برفقة ياسر عرفات. وعلى درب الوطن المنشود، نكتشف أن الوطن أقرب إلينا مما ظنناه من قبل، «إنه تلك الرِّفقة التي ربّاها مسار الطريق». الوطن ما كان يومًا، المكان المُعمَّد بالحجارة والتُّراب فحسب، إنّه رِفقة الإنسان وذاكرته ومساره الجّمعي. إن دموع الدكتور صائب عريقات في حضرة ياسر عرفات في مواضع مختلفة من الكتاب، هي الدموع ذاتها الحاضرة في فقدانه لحظة كتابة هذا الكتاب.

 

كتاب دبلوماسية الحصار للدكتور صائب عريقات، كبير المفاوضين الفلسطينيين وأمين سر اللجنة التنفيذية في منظمة التحرير هو مجهود كبير لتوثيق مرحلة حرجة من التاريخ الفلسطيني، ولكنه لا يوثقها بروتوكوليا، لا يشخص الحالة أو الحقبة، بمنطق التشخيص الطبي ولا التصوير الفوتوغرافي، انه يرمي الى أبعد من ذلك كثير، إنه من الكتب التي كتبت فصلا مهما من الرواية الفلسطينية المعاصرة.

على غرار الكتب العملاقة ككتاب الدكتور يزيد الصايغ، الكفاح المسلح والبحث عن الدولة، وروايات الكاتب الكبير ابراهيم نصر الله، الملهاة الفلسطينية، وأعمال جملة من المؤرخين والمبدعين الفلسطينيين، الذين صاغوا فصولا مختلفة من روايتنا المعاصرة. كذلك هو هذا الكتاب، اذ لا يمكن قراءة المشهد الوطني الفلسطيني ومسار مشروعه المعاصر بدون الرجوع اليه، إنه مما يطلق عليه اصطلاحا في ثقافتنا العربية، من "أمهات الكتب" وهو لقب يستحقه هذا الكتاب عن جدارة.

وفي هذا الكتاب، اجابة دامغة على حجم الالتفاف على المشروع الوطني، ولكن أيضا اجابة دامغة على حجم الصمود والتحدي الذي ابداه صانع القرار الفلسطيني عموما، وياسر عرفات خصوصا.

ولا خلاف أن ياسر عرفات هو اكثر من اتقن فنون المناورة في ميادين السياسة، وأتقن فن الممكن في مناخ المستحيلات، ولكنه أتقن أكثر، فن الصمود في ميادين الواقع واروقة الدبلوماسية. خصوصا في مشهد حياته الأخير.

شخصيا، أتذكر أنني عندما كنت طفلا صغيرا في قرية شعب في الجليل، عشقت كما عشق الجميع ياسر عرفات بكوفيته ونظارته السوداء. ولكن مع الوقت، أصبحت أكثر خوفا على هذا البطل الحي.. كان لدي، وربما لدى الجميع، الخوف والهاجس من أن تنكسر لسبب ما صورة هذا الرمز في خواتيمها؛ ولكني لم أدرك أن مشهده الأخير، الموثق في هذا الكتاب، والمحفور في ذاكرة التاريخ، سيكون الأكثر عنفوانا وصمودا وارتقاء وبهاء وسيكون الأكثر تأثيرا على القلب والضمير في سيرته البطولية كلها.  

 

واللافت في الكتاب، أن الدكتور صائب عريقات قد نجح في التخلص من "عقدة الراوي"، بمعنى الحديث عن المروي وصياغة الحدث بدافع تمجيد الراوي نفسه، بل أنني في مواضع عديدة في الكتاب، شعرت كما لو أن الكاتب يقصد عمدا النأي بنفسه عن مقدمة المشهد في حضرة ياسر عرفات. كما أن الدكتور صائب عريقات، قد فاجئني بقدرته العالية على السرد. إذ يمكن للقارئ أن يقرأ عشرات الصفحات بلا ملل، لا يهوله حجم الكتاب الكبير ولا ثقل تفصيلاته. إنها مهمة صعبة في الكتابة عموما، وتصبح هذه المهمة أصعب في كتابة الكتب التوثيقية السياسية.

ولكن في عدد من الأبواب والصفحات تتسارع الأحداث بشكل كبير، وهي مفهومة في سياق حقبة تتسارع فيها الأحداث وتشتبك فيها الميادين والجبهات. إنها أحداث يصعب على القارئ تذويتها بحذافيرها، ولك أن تسأل كيف كان وقعها على من عايشها وصاغها؟

 

في هذا الكتاب، ستكتشف صدق النية الفلسطينية بالتوصل الى تسوية سياسية، أو ما اطلق عليه ياسر عرفات "سلام الشجعان"، ولكن تقابلها على الدوام سياسات اسرائيلية ترى الحقوق المشروعة لابناء الشعب الفلسطيني على أرضهم تنازلا مرهونًا بمنطق لعبة مجموع الصفر في علوم السياسة. كما ستجد في مواضع كثيرة من الكتاب، محاولات اسرائيلية ودولية وعربية لاغراق صانع القرار الفلسطيني بالتفاصيل وتفاصيل التفاصيل، والعروج الى الطرق الالتفافية المتشعبة البعيدة، واشغاله بالقضايا الآنية الطارئة على حساب الصورة الشاملة، ولكن ستكتشف أن صانع القرار الفلسطيني ظل يقظا، مطالبا دائما بالعودة الى الثوابت. 

 

يجيب الكتاب على الكثير من الأسئلة، رهان الوقت، عدم استعداد اسرائيل للسلام، دور المجتمع الدولي، دور الوساطة، ولكن ثمة سؤال مركزي، لا زال بلا اجابة: وهو "ماذا بعد؟"

فالكاتب يطرح التصور بأن التحديات التي تواجه السلطة الوطنية هي ذاتها الى يومنا هذا. بل ربما اليوم أصعب، بالأخذ بعين الاعتبار ان اسرائيل تراهن على الوقت، وسط فرض حقائق جديدة على الأرض. فالحركة الوطنية الفلسطينيّة، ومعها مشروعها المُعاصر، اذا لم تتقدم الى الامام فإنها وخصوصًا مع الخطوات المتلاحقة التي تخطوها اسرائيل ستسير الى الخلف لا محالة.

 

"ماذا بعد؟" هو نداء لتوفير الاجوبة المستعجلة والمستعصية. ليس التشخيص ولا التوصيف ولا التنظير، ولكن كدور رواد الثقافة كما كتب المفكر الفلسطيني إدوارد سعيد، «المثقف هو الذي لا يرضى بحالة حتّى يُغَيِّرها، فإذا غيَّرها بدأ يحلم بمواصلة التغيير». أو كما أعلن كارل ماركس من قبل: « الفلاسفة أضاعوا وقتهم فـي تفسيرِ العالَم مع أنّ مهمتهم هي تغييره». إننا بحاج ملحة لبلورة  استراتيجيات طويلة الامد تقوم على البدائل، والاستفادة من مواطن القوة للمشروع الوطني الفلسطيني، وقسم كبير منها قد ابرزه الكاتب في هذا الكتاب. يقوم الموطن الأول على مقاومة مشاريع الإنكار والإحلال والصمود أمامها، فـيما يقوم الثّاني على المدّ العالمي لفلسطين، بما يشمل البعدين العربي والإسلامي. وهو عظيم الدلالة، لأنه هو من يمنح الفلسطينيين الحق بالادعاء صدقًا بأنهم الوحيدون المخوّلون بمنح «إسرائيل» «الشّرعية لوجودها». كل ذلك وسط الحذر من التّركيز والغوص بالتّفصيلات بمنأى عن المَحاور الرئيسية للمشروع الوطني، المُتمثلة بالعودة، تقرير المصير والاستقلال.

 

في النهاية، فإنني أبارك للدكتور صائب عريقات هذا العمل الكبير وأسأل الله ان ينعم عليه بالصحة والعافية ليواصل مسيرته في خدمة شعبه وقضيته.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

×
أخبار
صندوق النقد الدولي يحذر من طول أمد الحرب والاضطرابات المتجددة كأكبر تهديد للشرق الأوسط آيزنكوت يتعهّد بهزيمة "حماس" خلال 18 شهراً بعد قضية المسبحة.."استقالة" وزير الأوقاف الفلسطيني نتنياهو وسموتريتش يعتزمان نشر نحو ألفَي مراقب في صناديق الاقتراع بالبلدات العربية هجوم حوثي على مقر أرامكو بالظهران يدمر مكاتب الرئيس التنفيذي وكبار المسؤولين مجلس سلام ترامب لديمومة الموت في غزة! قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس: اقتحامات واعتقالات ومواجهات تحقيق جديد في الكونغرس حول تضارب مصالح كوشنر واستثماراته الإسرائيلية والخليجية سي إن إن: أمريكا تضع خططاً لاستخدام "أم القنابل" ضد إيران وثائق كتبها مساعدو نتنياهو تكشف مسؤوليته عن إخفاق 7 أكتوبر وتناقض روايته حول حماس الغارديان: إسرائيل تعرقل إنشاء قاعدة لمجلس السلام في غزة ترامب: كان ينبغي الإبقاء على قادة إيران السابقين لأنني لا أعرف مع من نتفاوض صفقة الديزل الروسي تثير الجدل.. ترامب يحمل زيلينسكي مسؤولية حرب الطاقة ويدعم موسكو تقرير: سياسات إيران ومحورها أضرت بالفلسطينيين وخدمت اليمين الإسرائيلي آيزنكوت يؤكد القدرة على هزيمة نتنياهو.. وينفي ادعاءاته بشأن عملية «البيجر» الأمم المتحدة ترصد غارات وقصفاً مكثفاً بجميع محافظات غزة وتطالب إسرائيل بوقف التضييق بالضفة باحث إسرائيلي: نتنياهو يصوغ «حقيقة بديلة» لهروب قيادته من مسؤولية إخفاق 7 أكتوبر السيسي يرد على سموتريتش برسالة إلى تل أبيب..ويؤكد موقف مصر مع فلسطين زيلنسكي: أشعر بالخيانة من قبل ترامب وهو لا يقف في الجانب الصحيح من التاريخ النقابة: جيش الاحتلال يشن حربا واسعة ضد الصحفيين الفلسطينيين لحجب جرائمها استطلاع عبري: قفزة في القوائم العربية وتقارب كبير بين المعارضة الصهيونية والتحالف الحاكم عشرات آلاف يتظاهرون في كولومبيا ضدّ الرئيس الجديد احتجاجا على سياستة الاجتماعية بيلاي: عقوبات ترامب على الجنائية الدولية غير قانونية..ربما رد فعل على خسارته نوبل أوباما: حكومة نتنياهو فقدت المبادئ الأخلاقية بتجاهلها حقوق الشعب الفلسطيني مصر تذكر ترامب بالتزامات خطة غزة بعد مرور عام على توقيع شرم الشيخ «أفريقيا كجبهة جديدة لحروب الشرق الأوسط»: ممر البحر الأحمر وأنماط الفوضى الجيوسياسية العالمية تقرير: كيف أعادت سلسلة الحسابات الخاطئة إشعال حرب السعودية في اليمن؟ الصراعات الإقليمية وتعطل الممرات البحرية يجبران الاقتصاد العالمي على الاعتراف بـ «سطوة الجغرافيا» زامير يصادق على خطط عسكرية في الضفة: "جاهزون لعمليات هجومية واسعة" كاتس يهدد باحتلال مناطق لبنانية إضافية إذا انضم حزب الله إلى إيران في مهاجمة إسرائيل

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط