مجلس السلام تحول إلى مجلس لديمومة احتلال قطاع غزة..بدلا من العمل نحو تعافي قطاع غزة المبكر

فلسطين: بين التحوّلات الدولية وأزمة القيادة

فلسطين: بين التحوّلات الدولية وأزمة القيادة

تاريخ النشر: 2026-06-02 | 11:18

تشهد القضية الفلسطينية، للمرة الأولى منذ عقود طويلة، تحولات نوعية في الرأي العام العالمي، لم تعد تقتصر على التعاطف الإنساني مع الضحايا، بل أخذت تتبلور باعتبارها قضية تحرر وطني وحقوق سياسية وأخلاقية، ورمزًا للعدالة الإنسانية، في مواجهة مشروع عنصري استعماري إحلالي بات أكثر انكشافًا وعنفًا أمام العالم.

فالحرب المفتوحة على قطاع غزة، بما حملته من جرائم إبادة جماعية وتجويع وتهجير وتدمير شامل، والإرهاب المنظم الذي ترتكبه عصابات المستوطنين بدعم من حكومة الفاشية في تل أبيب، لم تؤدِّ فقط إلى كشف زيف الصورة الأخلاقية التي سعت إسرئيل منذ نشأتها إلى تكريسها في الوعي الدولي، بل دفعت قطاعات واسعة من المجتمعات الغربية، بما فيها أوساط أكاديمية وثقافية وإعلامية، وفي المجتمعات اليهودية نفسها، إلى إعادة النظر في الرواية الصهيونية التي هيمنت على مفاصل الإعلام وصناع القرار الدولي لعقود طويلة.

فقد بات واضحًا أن إسرائيل، رغم تفوقها العسكري الهائل، تخسر تدريجيًا معركة السردية والشرعية الأخلاقية والسياسية، فيما تتوسع عزلتها الشعبية، وحتى الرسمية، في بعض عواصم الغرب.

غير أن هذا التحول، على أهميته التاريخية، لا يفضي تلقائيًا إلى إنجاز سياسي، ما لم تتبلور مجددًا قيادة فلسطينية قادرة على التقاط اللحظة، وإعادة بناء المشروع الوطني على أسس كفاحية وديمقراطية جامعة، وفق رؤية وطنية واقعية تتجاوز الانقسام والتكلس وارتهان القرار الوطني لحسابات البقاء السلطوي والفئوي، أو للرهانات الخارجية الخاسرة على حساب المصالح الوطنية العليا.

وهنا تكمن المفارقة القاسية؛ فبينما تتقدم القضية الفلسطينية في الوعي العالمي، تتراجع البنية السياسية الفلسطينية إلى مستويات غير مسبوقة من العجز وفقدان البوصلة والمبادرة.

تحوّلات كبرى وغياب الاستجابة الفلسطينية

لقد أصبح المشهد الفلسطيني مأزومًا على نحو بنيوي؛ إذ لم يعد الانقسام مجرد خلاف سياسي، بل تحوّل إلى نظام مصالح فئوية وأنانية ضيقة، وخطابات متناحرة تتغذى على استمرار الواقع المتردي أكثر مما تعمل على إنهائه. كما ويتواصل التعامل مع التحولات الدولية الكبرى بعقلية الانتظار أو الرهان على متغيرات إقليمية ودولية، بدلًا من العمل الجاد، بكل ما يتطلبه ذلك من مراجعة، من أجل تحويل تلك التحولات إلى عناصر قوة في خدمة واستنهاض مشروع وطني متجدد.

والأخطر من ذلك أن القيادة السياسية ما تزال تراهن، بصورة مباشرة أو مواربة، على أدوار أميركية أو إقليمية ثبت عمليًا أنها منخرطة في إدارة التصفية أكثر مما تعمل لفرض حل عادل. فالمشكلة لم تعد فقط في اختلال موازين القوى، بل في غياب الإرادة السياسية القادرة على التحرر من أوهام التسوية العقيمة، ومن تحويل السلطة إلى غاية بحد ذاتها بدلًا من أن تكون أداة لتعزيز الصمود والتحرر الوطني.

لقد شكّل العمل الأهلي والصمود الشعبي، والمبادرات المجتمعية، عبر مختلف مراحل ما بعد النكبة وسنوات الاحتلال، رافعة أساسية لقدرة الفلسطينيين على البقاء ومواجهة محاولات الاقتلاع والتفكيك. ففي أصعب المراحل، لم تكن قوة الفلسطينيين نابعة من مؤسسات سلطوية أو من وفرة الإمكانات، بل نشأت دومًا من حيوية المجتمع نفسه؛ من اللجان الشعبية، والنقابات، والاتحادات، والمراكز الثقافية، والمبادرات التطوعية، على صعيد الرعاية الصحية والتعليم وسبل التكافل الاجتماعي، وكذلك من مساحة الحرية التي أنتجت الوعي والمقاومة والقدرة على الاحتمال والصمود.

أما اليوم، فإن المشهد يبدو معكوسًا بصورة مقلقة. فلا يكاد يُرى أثر جدي لسياسات تهدف إلى تعزيز صمود الناس اقتصاديًا واجتماعيًا ومعنويًا، أو إلى تحفيز المبادرات الأهلية وتوسيع مشاركتها في مواجهة الكارثة الوطنية المتفاقمة. وعلى العكس من ذلك، تتزايد القيود على المجال العام، وتُغلق تدريجيًا مسامات الحريات العامة، بما فيها الحق في التعبير والرأي والإبداع والمبادرة المجتمعية.

وفي كثير من الأحيان، لا يجري التعامل مع العمل الأهلي بوصفه شريكًا وطنيًا في حماية المجتمع وتعزيز صموده، بل باعتباره مساحة ينبغي ضبطها أو محاصرتها أو إخضاعها، فيما يتعرض ناشطون ومثقفون وأصحاب رأي لحملات تضييق مباشرة أو غير مباشرة، في لحظة يُفترض أن تكون فيها وحدة النسيج المجتمعي وتماسكه، والانفتاح الديمقراطي، شرطين أساسيين للصمود الوطني.

المجتمع بوصفه رافعة للتحرر الوطني

إن أخطر ما يمكن أن تواجهه أي حركة تحرر ليس فقط عدوانية عدوها، بل تآكل حيوية مجتمعها الداخلي، وتحول السلطة من أداة لخدمة الناس وتعزيز قدرتهم على الصمود والبقاء والمقاومة، إلى عبء يستهلك طاقاتهم أو يقيّد مبادراتهم.

فالمجتمعات الواقعة تحت الاحتلال لا تستطيع الصمود عبر الأجهزة البيروقراطية وحدها، بل عبر توليد الأمل واستنهاض الهمم وإطلاق طاقات الناس، وتعزيز ثقتهم بأنفسهم، وفتح المجال أمام المبادرة الحرة والتنظيم الأهلي والنقد والمساءلة الشعبية. وحين تُغلق هذه المساحات، تتآكل المناعة الوطنية تدريجيًا، حتى لو بقي الخطاب السياسي مرتفع النبرة.

إن ما تحققه القضية الفلسطينية اليوم من حضور عالمي غير مسبوق يحتاج إلى ما هو أبعد من الاحتفاء الخطابي أو الاستثمار الإعلامي، أو ادعاء البطولات الفردية في تحقيقه؛ بل يحتاج إلى انتقال فعلي من موقع رد الفعل إلى بناء استراتيجية وطنية شاملة، تستند إلى عدة مرتكزات أساسية:

أولها، إعادة بناء الوحدة الوطنية على قاعدة الشراكة السياسية والكفاحية، لا على قاعدة المحاصصة أو الهيمنة أو إعادة إنتاج الانقسام بأشكال جديدة.

وثانيها، إعادة تعريف وظيفة النظام السياسي الفلسطيني، بحيث تصبح مهمته الأساسية حماية الناس وصمودهم وحقوقهم الوطنية، لا إدارة الأزمة تحت سقف الاحتلال.

وثالثها، تفعيل طاقات الفلسطينيين في الداخل والشتات، والاستفادة من التحولات الكبرى في الرأي العام العالمي، عبر بناء جبهات ضغط سياسية وقانونية وأكاديمية وشعبية عابرة للحدود.

أما الركيزة الرابعة، فهي استعادة البعد الأخلاقي التحرري للقضية الفلسطينية، بوصفها قضية شعب يناضل من أجل الحرية والكرامة والعدالة، لا مجرد ملف تفاوضي تديره النخب المغلقة أو الحسابات الفصائلية الضيقة.

لقد أثبتت التجربة أن القضية الفلسطينية تنتصر كلما اتسعت مساحة الحرية والمشاركة الشعبية، وتتراجع كلما ضاقت السياسة داخل الحسابات الفصائلية والوظيفية الضيقة. كما أثبتت أن الشعوب لا تنتصر فقط بقوة تضحياتها، بل أيضًا بقدرتها على إنتاج قيادة تاريخية توازي تلك التضحيات وتمنحها أفقًا سياسيًا جامعًا.

في الحالة الفلسطينية، تبدو الفجوة اليوم مؤلمة بين شعب يواصل دفع أثمان باهظة، وبين بنية سياسية تبدو عاجزة عن الارتقاء إلى مستوى متطلبات اللحظة التاريخية.

ومع ذلك، فإن ما يجري في العالم ليس تفصيلًا عابرًا. فالتحولات الكبرى تبدأ غالبًا من تراكمات أخلاقية وشعبية تبدو في بدايتها محدودة، قبل أن تتحول إلى وقائع سياسية يصعب وقفها. وما يتعرض له المشروع الصهيوني اليوم من اهتزاز عميق في صورته قد يشكل بداية تحوّل تاريخي طويل المدى، شرط أن يمتلك الفلسطينيون القدرة على تحويل معاناة شعبهم وصمودهم إلى مشروع وطني تحرري متجدد.

فالقضية الفلسطينية لم تعد تفتقر إلى عدالة الرواية، ولا إلى حضورها العالمي المتصاعد، بل إلى قيادة تغادر المنطقة الرمادية؛ بين مقاومة بلا أفق سياسي جامع، وسلطة بلا مشروع وطني فعلي.

وما لم يُحسم هذا الالتباس، سيبقى العالم يتغير لصالح فلسطين، فيما يظل الفلسطينيون عاجزين عن تحويل ذلك إلى إنجاز تاريخي يوازي تضحياتهم، ويسرّع في فتح أبواب الحرية على مصاريعها.

×
أخبار
صندوق النقد الدولي يحذر من طول أمد الحرب والاضطرابات المتجددة كأكبر تهديد للشرق الأوسط آيزنكوت يتعهّد بهزيمة "حماس" خلال 18 شهراً بعد قضية المسبحة.."استقالة" وزير الأوقاف الفلسطيني نتنياهو وسموتريتش يعتزمان نشر نحو ألفَي مراقب في صناديق الاقتراع بالبلدات العربية هجوم حوثي على مقر أرامكو بالظهران يدمر مكاتب الرئيس التنفيذي وكبار المسؤولين مجلس سلام ترامب لديمومة الموت في غزة! قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس: اقتحامات واعتقالات ومواجهات تحقيق جديد في الكونغرس حول تضارب مصالح كوشنر واستثماراته الإسرائيلية والخليجية سي إن إن: أمريكا تضع خططاً لاستخدام "أم القنابل" ضد إيران وثائق كتبها مساعدو نتنياهو تكشف مسؤوليته عن إخفاق 7 أكتوبر وتناقض روايته حول حماس الغارديان: إسرائيل تعرقل إنشاء قاعدة لمجلس السلام في غزة ترامب: كان ينبغي الإبقاء على قادة إيران السابقين لأنني لا أعرف مع من نتفاوض صفقة الديزل الروسي تثير الجدل.. ترامب يحمل زيلينسكي مسؤولية حرب الطاقة ويدعم موسكو تقرير: سياسات إيران ومحورها أضرت بالفلسطينيين وخدمت اليمين الإسرائيلي آيزنكوت يؤكد القدرة على هزيمة نتنياهو.. وينفي ادعاءاته بشأن عملية «البيجر» الأمم المتحدة ترصد غارات وقصفاً مكثفاً بجميع محافظات غزة وتطالب إسرائيل بوقف التضييق بالضفة باحث إسرائيلي: نتنياهو يصوغ «حقيقة بديلة» لهروب قيادته من مسؤولية إخفاق 7 أكتوبر السيسي يرد على سموتريتش برسالة إلى تل أبيب..ويؤكد موقف مصر مع فلسطين زيلنسكي: أشعر بالخيانة من قبل ترامب وهو لا يقف في الجانب الصحيح من التاريخ النقابة: جيش الاحتلال يشن حربا واسعة ضد الصحفيين الفلسطينيين لحجب جرائمها استطلاع عبري: قفزة في القوائم العربية وتقارب كبير بين المعارضة الصهيونية والتحالف الحاكم عشرات آلاف يتظاهرون في كولومبيا ضدّ الرئيس الجديد احتجاجا على سياستة الاجتماعية بيلاي: عقوبات ترامب على الجنائية الدولية غير قانونية..ربما رد فعل على خسارته نوبل أوباما: حكومة نتنياهو فقدت المبادئ الأخلاقية بتجاهلها حقوق الشعب الفلسطيني مصر تذكر ترامب بالتزامات خطة غزة بعد مرور عام على توقيع شرم الشيخ «أفريقيا كجبهة جديدة لحروب الشرق الأوسط»: ممر البحر الأحمر وأنماط الفوضى الجيوسياسية العالمية تقرير: كيف أعادت سلسلة الحسابات الخاطئة إشعال حرب السعودية في اليمن؟ الصراعات الإقليمية وتعطل الممرات البحرية يجبران الاقتصاد العالمي على الاعتراف بـ «سطوة الجغرافيا» زامير يصادق على خطط عسكرية في الضفة: "جاهزون لعمليات هجومية واسعة" كاتس يهدد باحتلال مناطق لبنانية إضافية إذا انضم حزب الله إلى إيران في مهاجمة إسرائيل

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط