مجلس السلام تحول إلى مجلس لديمومة احتلال قطاع غزة..بدلا من العمل نحو تعافي قطاع غزة المبكر

غزة على مفترق اقتصادي: بين التمويل المشروط والانقسام الداخلي

غزة على مفترق اقتصادي: بين التمويل المشروط والانقسام الداخلي

تاريخ النشر: 2026-03-05 | 05:07

د. سمير أبو مدللة
د. سمير أبو مدللة

في ظل الدمار الواسع الذي لحق بقطاع غزة، لم يعد الحديث عن التعافي الاقتصادي ترفًا فكريًا، بل ضرورة وطنية وإنسانية ملحّة. فالاقتصاد الغزّي، الذي يعاني أصلًا من حصار ممتد منذ عام 2007، يواجه اليوم تحديات مركبة تتطلب رؤية شاملة تتجاوز المعالجات الجزئية والحلول المؤقتة، نحو مقاربة بنيوية تعالج جذور الاختلال لا مظاهره فقط.
تؤكد القراءة الاقتصادية للواقع أن أولويات التعافي لا ينبغي النظر إليها كمسارات متنافسة، بل كحلقات مترابطة ضمن ما يمكن تسميته بـ«التعافي المرحلي». يقوم هذا المفهوم على البدء بالضرورات القصوى التي تمس الحياة اليومية للمواطنين، وصولًا إلى بناء أسس تنمية مستدامة قادرة على الصمود في وجه الصدمات المستقبلية، سواء كانت سياسية أو أمنية أو مالية.
في مقدمة هذه الأولويات يأتي إصلاح البنية التحتية: الكهرباء، والمياه، والصرف الصحي، والطرق، والمرافق الصحية. فبدون شبكة خدمات أساسية مستقرة، لا يمكن لأي نشاط إنتاجي أو استثماري أن ينطلق. البنية التحتية ليست مجرد خدمات عامة، بل هي القاعدة الصلبة التي يُبنى عليها الاقتصاد بأكمله، وهي أيضًا معيار الثقة الأول لأي مستثمر محلي أو خارجي.
تلي ذلك عملية إعادة الإعمار، بوصفها أولوية إنسانية واقتصادية مزدوجة. فهي، من جهة، تعيد المأوى لآلاف الأسر التي فقدت منازلها، ومن جهة أخرى تمثل محركًا مباشرًا للدورة الاقتصادية عبر تنشيط قطاع المقاولات والصناعات المرتبطة به، وتوفير فرص عمل في سوق يعاني أصلًا من معدلات بطالة مرتفعة. غير أن الإعمار، حتى يحقق أثره الكامل، يجب ألا يقتصر على إعادة ما كان قائمًا، بل أن يتجه نحو إعادة بناء أكثر كفاءة واستدامة، بما في ذلك اعتماد معايير البناء الأخضر، وتحسين كفاءة الطاقة، وتخطيط عمراني يراعي الكثافة السكانية المرتفعة.
وبالتوازي مع الإعمار، يبرز دعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة كخيار استراتيجي واقعي. فبعد التدمير الذي طال قطاعات إنتاجية واسعة، باتت هذه المشاريع تمثل العمود الفقري للاقتصاد المحلي، والقادرة على توليد دخل سريع للأسر، وتقليل الاعتماد على المساعدات الإغاثية. إلا أن دعمها لا ينبغي أن يقتصر على التمويل النقدي، بل يجب أن يشمل حاضنات أعمال، وتسهيلات ضريبية، وضمانات ائتمانية، وربطًا بالأسواق الخارجية عبر منصات رقمية وتسهيلات لوجستية.
أما التحدي الأعمق، فيكمن في معالجة البطالة المزمنة، خصوصًا بين الشباب والخريجين. ولن يتحقق ذلك إلا عبر برامج تشغيل مؤقتة مرتبطة بمشاريع الإعمار، وتوسيع نطاق التدريب المهني المتخصص وفق احتياجات السوق، ودمج الاقتصاد الرقمي والخدمات العابرة للحدود ضمن استراتيجية التعافي، بما يسهم في خلق فرص عمل أقل ارتباطًا بقيود المعابر والحركة. إن الاستثمار في رأس المال البشري يجب أن يكون محور أي خطة تنموية طويلة الأمد.
وعلى صعيد موازٍ، يكتسب إعمار قطاعي الصحة والتعليم أهمية استراتيجية لا تقل عن أهمية البنية التحتية المادية. فإعادة بناء المستشفيات والمراكز الصحية وتزويدها بالمعدات والكوادر المؤهلة تمثل ضمانة مباشرة لاستقرار المجتمع وقدرته على التعافي، إذ لا تنمية ممكنة في بيئة صحية منهكة. كما أن إعادة تأهيل المدارس والجامعات وتطوير المناهج والبنية التعليمية يشكل استثمارًا طويل الأمد في رأس المال البشري، ويمنع اتساع فجوة الفقر المعرفي التي تخلّفها الحروب. إن الصحة والتعليم ليسا قطاعين خدميين فحسب، بل ركيزتان أساسيتان لإعادة إنتاج القدرة الإنتاجية للمجتمع، وتعزيز مناعته الاقتصادية والاجتماعية في آن واحد.
على صعيد التمويل، فإن حجم الدمار يفوق قدرة أي جهة منفردة على تحمّل كلفته، ما يجعل تضافر الجهود الدولية والإقليمية أمرًا حتميًا. يبرز دور جهات مانحة مثل الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة ووكالات الأمم المتحدة في تمويل الجوانب الإنسانية، إلى جانب إمكانات الدعم العربي، لا سيما من دول الجوار ودول الخليج. كما تمثل مؤسسات مالية دولية مثل البنك الدولي شريكًا مهمًا في تمويل المشاريع الكبرى عبر قروض ميسرة وبرامج دعم فني.
غير أن تدفق التمويل واستدامته يظلان مرهونين بعامل الثقة والحوكمة الرشيدة. وهنا تبرز الحاجة إلى منظومة شفافة لإدارة أموال الإعمار، تقوم على استقلال مالي وإداري، ورقابة مزدوجة فلسطينية ودولية، بمشاركة مؤسسات المجتمع المدني وجهات فنية متخصصة مثل برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، بما يطمئن المانحين ويضمن وصول الموارد إلى مستحقيها بعيدًا عن الفساد أو المحسوبية. كما أن توحيد المرجعيات الإدارية والمالية يمثل شرطًا أساسيًا لمنع ازدواجية القرار وهدر الموارد.
يبقى السؤال الأكثر تعقيدًا: هل يمكن فعلاً تحييد الاقتصاد عن السياسة؟ نظريًا، يمكن الفصل بين المسارين، لكن التجربة العملية خلال السنوات الماضية أثبتت عمق التداخل بين الاقتصاد والأمن والسياسة، حيث تحولت الرواتب والمساعدات ومشاريع التنمية في أحيان كثيرة إلى أوراق ضغط في سياق الانقسام والصراع.
إن أي إطار إداري يسعى لإدارة الإعمار أو الخدمات — أياً كانت تسميته — لن ينجح في تحييد الاقتصاد ما لم يستند إلى توافق وطني حقيقي وغطاء إقليمي داعم يحمي الملف الاقتصادي من التوظيف السياسي. فالتعافي لا يتحقق بالآليات الفنية وحدها، بل بإرادة سياسية جامعة تعيد ترتيب الأولويات على أساس المصلحة الوطنية العليا، وتفصل بين إدارة الخدمات العامة والصراع الحزبي.
أبعد من ذلك، فإن التعافي الاقتصادي في غزة يتطلب إعادة تعريف العلاقة بين الاقتصاد والسيادة. فاقتصاد محاصر ومقيد الحركة سيظل هشًا ومعرضًا للانتكاس. ومن دون ضمانات حقيقية لتسهيل حركة البضائع والأفراد، وفتح منافذ تجارية مستقرة، ستبقى أي طفرة اقتصادية مؤقتة وعرضة للانهيار عند أول أزمة.
في الختام التعافي الاقتصادي في غزة ليس مجرد أرقام في موازنات أو مشاريع إنشائية، بل هو مسار سياسي–إنساني متكامل يتقاطع فيه البعد التنموي مع البعد السيادي. والانتقال من مرحلة الإغاثة إلى التنمية المستدامة يتطلب وضوحًا في الأولويات، وشفافية في التمويل، وإطارًا سياسيًا مستقرًا، ورؤية استراتيجية تستثمر في الإنسان كما تستثمر في الحجر.
دون ذلك، ستظل خطط الإعمار رهينة التجاذبات، وسيبقى اقتصاد غزة أسير الحصار، يدور في حلقة استنزاف مفتوحة، بعيدًا عن أفق الاستقرار والازدهار الذي يستحقه شعب صمد طويلًا في وجهه الأزمات.

محاضر في جامعة الأزهر – غزة
عضو الأمانة العامة لاتحاد الاقتصاديين الفلسطينيين

×
أخبار
باهتة وغير حاسمة.. خبير بريطاني يحلل أسباب تعثر القوة الجوية الأمريكية والإسرائيلية ضد إيران "خسائر بمئات المليارات": تحولات ديموغرافية تهدد الاقتصاد الإسرائيلي ليبرمان يرفض دعم حكومة أقلية ويتعهد بائتلاف "صهيوني حصراً" استهداف قصر معاشيق الرئاسي في عدن بـ 4 صواريخ باليستية وتصاعد كثيف للدخان نتنياهو: أمليت موقفي على الشرع في مكالمة قصيرة وواضحة لوقف استهداف الدروز في خطوة تاريخية.. رابطة أمريكية للعلوم السياسية تصويت بالأغلبية لصالح المقاطعة الأكاديمية لإسرائيل مجلس السلام يعلن استكمال آليات الرقابة والمعايير المالية لتنفيذ خطة غزة السيسي: أمن السعودية ودول الخليج خط أحمر واستقرار غزة والسودان وليبيا من مقتضيات الأمن القومي العربي شبكة إعلانات إسرائيلية تتجسس على ملايين المستخدمين والمؤسسات الدولية لصالح شركات اختراق وتجسس تقرير حقوقي يكشف شهادات حول إطلاق حراس سجون الاحتلال النار على الأسرى الفلسطينيين داخل الزنازين نتنياهو يعلن إنشاء جدار أمني ضخم على الحدود الشرقية من اليرموك إلى إيلات ملادينوف يعلن تعليق تنسيق البضائع للقطاع الخاص بغزة ويدعو للإسراع بانتشار القوة الدولية الاتحاد الأوروبي ودول الخليج اتفقوا على تأجيل القمة المقرة بينهما في الرياض باكو: وفود عربية بيها فلسطين وتركيا وباكستان تغادر قاعة المؤتمر خلال كلمة هرتسوغ صندوق النقد الدولي يحذر من طول أمد الحرب والاضطرابات المتجددة كأكبر تهديد للشرق الأوسط الصحة: ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,396 شهيدا آيزنكوت يتعهّد بهزيمة "حماس" خلال 18 شهراً بعد قضية المسبحة.."استقالة" وزير الأوقاف الفلسطيني نتنياهو وسموتريتش يعتزمان نشر نحو ألفَي مراقب في صناديق الاقتراع بالبلدات العربية هجوم حوثي على مقر أرامكو بالظهران يدمر مكاتب الرئيس التنفيذي وكبار المسؤولين مجلس سلام ترامب لديمومة الموت في غزة! قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس: اقتحامات واعتقالات ومواجهات تحقيق جديد في الكونغرس حول تضارب مصالح كوشنر واستثماراته الإسرائيلية والخليجية سي إن إن: أمريكا تضع خططاً لاستخدام "أم القنابل" ضد إيران وثائق كتبها مساعدو نتنياهو تكشف مسؤوليته عن إخفاق 7 أكتوبر وتناقض روايته حول حماس الغارديان: إسرائيل تعرقل إنشاء قاعدة لمجلس السلام في غزة ترامب: كان ينبغي الإبقاء على قادة إيران السابقين لأنني لا أعرف مع من نتفاوض صفقة الديزل الروسي تثير الجدل.. ترامب يحمل زيلينسكي مسؤولية حرب الطاقة ويدعم موسكو تقرير: سياسات إيران ومحورها أضرت بالفلسطينيين وخدمت اليمين الإسرائيلي آيزنكوت يؤكد القدرة على هزيمة نتنياهو.. وينفي ادعاءاته بشأن عملية «البيجر»

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط