تاريخ النشر: 2026-09-21 | 08:27
تاريخ النشر: 2026-09-21 | 08:27
هـل كـان لامـرئٍ أن يـتـخـيّـل، قـبـل خـمـسـة أعـوام، أن يـحـدث مـن الأهـوال مـا يـحـدث الـيـوم، بـل مـا بـدأ يـحـدث مـنـذ الأعـوام الـثّـلاثـة الـمـاضـيـة؟! هـل دار بـخَـلَـد عـاقـلٍ، حـتّـى أشـدّ الـنّـاس عـدمـيّـةً وتـشـاؤمـاً، أنّ الـبـشـريّـةَ والـدُّولَ الـتـي تـقـوم عـلى أمـورهـا سـتُـخْـفِـق، أشـنـعَ الإخـفـاق، فـي الإفـادة مـن أخـطـائـهـا وخـطـايـاهـا فـي الـمـاضـي (لـتـصـويـب مـسـارهـا وإعـادة بـعـث الأمـل فـي مسـتـقـبـلٍ إنـسـانـيّ أفـضـل قـائـمٍ عـلى احـتـرام الـكـرامـة الإنـسـانـيّـة، وعـلى الـتّـعـاوُن لـتـحـقـيـق الـخـيـر الـمـشـتَـرك) فـتـعـود - عـودةً غـيـرَ مـحـمـودة - إلـى مـا كـانـت درجـت عـلـيـه مـن الأطـمـاع والـعـداوات والـحـروب فـي المـاضـي، وكـأنّ هـذه سُـنّـة الـوجـود الإنـسـانـيّ الـتـي لا تـسـتـطـيـع لـهـا تـبـديـلا؟!
الـسّـؤال مـشـروعٌ مـن وجـهـيْـن: مـن حـيـث هـو يـتـنـاول حـالـةً مـن جـنـون الـنّـوازع «الإنـسـانـيّـة» الـعـميـقـة: الـجـانـحـة للـقـوّة والـسّـيـطـرة والـقـهـر مـعـبَّـراً عـنـهـا فـي سـيـاسـات الـدّول وفـي عـلاقـاتهـا بـبـعـضـهـا؛ ثـمّ مـن حـيـث إنّـه يـسـائـل الـخـبـرةَ الإنـسـانـيّـة عـمّـا عـسـاهـا تـكـون وجـوهُ الإفـادة مـنـهـا فـي لـحْـظـات الامـتـحـان الـكـبـرى الـتي تُـلِـمّ بـالـوجـود الإنـسـانـيّ. الـوجْـهُ الـثّـانـي هـذا لـذلـك الـسّـؤال هـو مـا يـعـنـيـنـا فـي هـذه الـمـقـالـة لاتّـصـالـه بـمـشـكـلـةٍ أكـبـر هـي مـشـكـلـة الانـفـصـال بـيـن الـوعـي والـفـعـل فـي الـنّـشـاط الإنـسـانـيّ، جـمـلـةً، وفـي الـسّـيـاسـات الـدّولـيّـة عـلى نـحـوٍ خـاصّ.
خـلال الـعـامـيـن 2020 و2021؛ وحـيـث مـلايـيـرُ الـنّـاس مـعـتـكـفـة فـي بـيـوتـهـا تـحـت أحـكـام الـحَـجْـر الـصّـحّـيّ والـمـوانـع الـقـانـونـيّـة الـصّـارمـة؛ وحـيـث وبـاء كـورونـا يـلـتـهـم عـشـرات مـلايـيـن الأرواح والأبـدان فـيُـعـطّـل الـعـلاقـات الـعـامّـة، ويـتـسـلّـل حـتّـى داخـل الـعـلاقـات الـخـاصّـة فـيـقـيِّـدهـا، ويُـعـطِّـل الإنـتـاج وحـركـة الـتّـجـارة، ويـدفـع الـدّول إلـى انـتـهـاج سـيـاسـات الإغـلاق والانـقـفـالِ عـلى الـذّات؛ وحـيـث الـنّـفـوسُ اسـتـيـأسـت مـن رؤيـة غـدٍ مـن شِـدّة الـظّـلـمـاء حـتّـى لـقـد خـامـر رأسَ كـلّ إنـسـان سـؤالُ الـوجـود، الـمـوت والـحـيـاة، الـمـسـتـقـبـل الـمـمـكـن أو الـمـسـتـحـيـل...، خـلال تـلـك الـشّـهـور الـقـاسـيـة - ولـكـن الـمـفـيـدة لـمـن يـعـرف كـيـف يـقـتـنـصـهـا - كـان الأمـرُ مـخـتـلـفـاً أو يـبـدو كـذلـك عـلى الأقـلّ. كـان يـمـكـن للأسـئـلـة الـصّـحـيـحـة أن تُـطـرَح، وللـتّـفـكـيـر الـسّـويّ أن يـفـرض نـفـسَـه عـلى الـجـمـيـع. حـتّـى مـا كـان يُـكـتَـب ويُـنْـشَـر بَـدَا كـمـا لـو أنّـه لـيـس مـن الـمـألـوفـات: أكـان ذلـك فـي شـكـل تـفـكـيـرٍ ذي طـابـعٍ فـلـسـفـيّ، أو في صـورة تـفـكـيـرٍ سـيـاسـيّ واقـتـصـاديّ يـخـوض فـي الـتّـوقّـعـات وسـيـنـاريـوهـات الـمـسـتـقـبـل...
حـيـنـهـا، خُـيِّـل إلـى كـثـيـريـن فـي الـعـالـم - كـاتـبُ هـذه الـسّـطـور مـنـهـم - أنّ مـحـنـةَ جـائـحـة الـوبـاء لا يـمـكـنـهـا أن تـمُـرّ مـن دون أن تـسـتـولـدَ أسـئـلـةً كـبـرى حـول الـمـصـيـر الإنـسـانـيّ ومـراجـعـاتٍ كـبـرى للـسّـيـاسـات والـعـادات والـمـألـوفـات الـتـي درجـتْ عـلـيـه الـدّول والـمـجـتـمـعـات، حـتّـى صـارت وكـأنّـهـا «طـبـيـعـةٌ ثـانـيّـة» لـدى كـلّ فـرد. وافـتُـرِض، لـدى مَـن ذهـبـوا هـذا الـمـذهـب مـن الـيـقـيـن، أنّ الإنـسـانـيّـة، وعـلـى جـسـيـمِ مـا قـدّمـتْـه مـن الـتّـضـحـيّـات فـي مـأسـاة الـوبـاء، لـم تـكـن تـنـتـظـر سـوى أن تـصـابُ بـه لـكـي تـسـتـفـيـق مـن أوهـامٍ كـانـت سـادرةً فـيـهـا وهـي تـلـهـث وراء مـصـالـحَ خـربّـت نـظـام الـطّـبـيـعـة والـحـيـاة، وجـعـلـت عـالـيَـهـا سـافـلَـهـا. افـتُـرِض أنّ الـمـراجـعـةَ الـمـرتـجـاة سـتـتـنـاول «كـلّ» شـيء يـتّـصـل بـذلـك الـمـصـيـر: سـيـاسـات تـدمـيـر الـبـيـئـة؛ مـكـانـة الـنّـظـام الـصّـحّـيّ فـي مـنـظـومـة الـدّولـة والـحـاجـة الـمـاسّـة إلـى تـوفـيـر الأمـن الـصّـحّـيّ؛ الـنّـظـام الـغـذائـيّ الـسّـائـد وأدوار الـصّـنـاعـات الـغـذائـيّـة فـي تـكـريـس مـضـارّه؛ الـنّـزعـة الاسـتـهـلاكـيّـة الـمـتـغـذّيّـة مـن جـشـع الـرّأسـمـال؛ الحـروب وأثـرهـا عـلـى الحـيـاة والـبـيـئـة والـحـقِّ الأقـدس فـي مـنـظـومـة حـقـوق الإنـسـان (الحـقّ فـي الحـيـاة)؛ الـنّـهـوض بـأوضـاع الـمـؤسّـسـات الـدّولـيّـة ذات الأدوار الإنـسـانـيّـة: الـصّـحّـيّـة والإغـائـيّـة وتـمـكـيـنـهـا مـن المـوارد الـمـادّيّـة الـمـنـاسـبـة... إلـخ.
ولـقـد اجـتـمـعـت أسـبـابٌ عـديـدة لـتـوحـيَ بـذلـك الاعـتـقـاد وتـرجِّـحَ احـتـمـالات مـا يُـفـيـد بـه: مـوجـةٌ مـن الـتّـضـامُـن داخـل الـمـجـتـمـعـات لا سـابـق لـه فـي الـكـثـافـة وفـي الاتّـسـاع فـي مـواجـهـة أجـواء الـوبـاء؛ قـدْرٌ عـالٍ مـن تـسـلـيـم مـجـتـمـعـات الـعـالـم بـمـا تُـقْـدِم عـلـيـه الـسّـلـطـاتُ الـحـاكـمـة فـي دولـهـا مـن إجـراءاتٍ حـمـائـيّـة ضـدّ الـوبـاء؛ الـشّـعـورُ الـجـمْـعـيُّ الـمـتـزايـد بـأنّ للـجـائـحـةَ أسـبـابـاً فـي الـنّـظـام الاجـتـمـاعـيّ- الـسّـيـاسـيّ الـقـائـم تـحـتـاج إلـى عـلاج؛ تـزايُـد وتـائـر الـدّعـوات إلـى مـراجـعـة الـحـقـبـة الـمـاضـيـة عـلى الـجـبـهـات كـافّـة والـبـحـث عـن حـلـول فـعّـالـة للـمـخـاطـر التـي تَـدْهَـم الـمـصـيـر الإنـسـانـيّ؛ تـعـاظُـم الاقـتـنـاع بـأنّ الـوصْـفـات الـجــاهـزة الـمـطـبَّـقـة، ضـمـن نـطـاق الـهـنـدسـات الاجـتـمـاعـيّـة والاقـتـصـاديّـة، والأدوات والـوسـائـل الـمـتـاحـة لـمـغـالـبـة تـحـدّيـات الـحـاضـر والـمـسـتـقـبـل لـم تـعـد تـكـفـي أَلْـبَـتّـة... إلخ. وهـي، فـي الـحـقّ، أسـبـابٌ حـمـلـت عـلى كـثـيـرٍ مـن سـريـان الـيـقـيـن فـي الـنّـفـوس بـأنّ غَـدَ الـجـائـحـة لـن يـكـون نـظيـراً لـمـا قـبـلـهـا، وأَنّ صـورتَـه إنْ لـم تـأْتِ مـتـغـيّـرةً تـمـامـاً فـسـتـكـون عـلى قـدْرٍ مـن الـتّـعـديـل يـفـتـح بـابـاً للأمـل.
لـكـنّ الـرّيـاح جـرت بـمـا لا تـشـتـهـي الـسّـفـن؛ إذْ سـرعـان مـا «عـادت حـلـيـمـة إلـى عـادتـهـا الـقـديـمـة»: كـمـا يـقـول الـمـثَـل الـعـربـيّ الـقـديـم، فـمـا عَـتَّـم أنِ اسـتـأنـفـت الـسّـيـاسـاتُ الـبـيـئـيّـة والـتّـنـمـويـة والـصّـحّـيّـة، والـقـيـمُ الاسـتـهـلاكـيّـة والـرّيـعـيّـة، نـفـسَـهـا وكـأنّـهـا مـا كـانـت مـسـؤولـةً عـن إزهـاق أرواح مـئـات مـلايـيـن الـنّـاس فـي الـعـالـم؛ وكـأنّـهـا الـوصـفـة الـوحيـدة الـقـادرة عـلى اجـتـراح غـدٍ أفـضـل. والأنـكـى مـن ذلـك والأشـنـع أنّ الـقـائـمـيـن عـلى تـلـك الـسّـيـاسـات اسـتـسـهـلـوا فـتـح حـروبٍ جـديـدة أشـدّ قـسـوةً ودمـاراً مـن كـلّ حـروب الـمـاضـي، مـضـيـفـيـن بـهـا إلـى الـعـالـم ويـلاتٍ جـديـدةً، وكـأنّـه مـا كَـفَـى الإنـسـانـيّـة مـا تـعـانـيـه مـن كـبـيـرِ الـمـشـكـلات! أضـاع الـعـالـمُ عـلى نـفـسـه فـرصـةَ تـدارُكِ نـفسـه لأنّ الـقـائـمـيـن عـلى أمـوره، الـمـاسـكـيـن بـأزِمّـتـه، يـريـدونـه أن يـبـقـى عـلى حـالـه خـاضـعـاً لـنـظـامـه الـذي أرادوهُ لـه! هـكـذا، مـرّةً أخـرى، انـتـصـرتِ الـغـريـزة عـلى الـعـقـل؛ الـمـصـلـحـة الـفـئـويّـة الأولـيـغـارشـيّـة عـلى الـمـصـلـحـة الإنـسـانـيّـة الـكـونـيّـة؛ الـرّأسـمـال عـلى الحـيـاة...!