مجلس السلام تحول إلى مجلس لديمومة احتلال قطاع غزة..بدلا من العمل نحو تعافي قطاع غزة المبكر

سردية الجرح..

سردية الجرح..

تاريخ النشر: 2018-09-24 | 23:47

ليسمح لي قارئ هذا النص أن أتقمّص شخصية الراوي قليلًا، إذ ثمّة أفكار فيه اقتُبست من حوار شائق وطويل جرى مع الصديقين، الكاتب والصحافي ميشال نوفل، وأستاذ الجراحة في الجامعة الأميركية في بيروت، الدكتور غسّان أبو ستة، خلال جلسة في أحد مقاهي بيروت، على هامش نقاش عميق حول التجربة الطبية للدكتور غسّان في جميع الاجتياحات التي شهدتها غزة، وقبلها في انتفاضاتها المتكرّرة، منذ عمل مسعفًا فطبيبًا فجرّاحًا، وحتى مسيرات العودة الكبرى التي يشهدها القطاع هذه الأيام.

فاجأنا الدكتور غسّان بانتقاله من الجانب التقني لعلاج الجرحى وإسعافهم إلى جانب آخر أبحر فيه كرُبّان ماهر، حين قال "إنّ للجرح سردية"، فالجرح ليس مجرّد ثقب في الجسم ينزف دمًا، أو عظامًا متشظّية، أو طرفًا مبتورًا، هو أكثر من ذلك بكثير. وما يحيط بالجرح قد يعمّقه ويجعله أكثر إيلامًا، وقد يحيله إلى سحابةٍ تحمل صاحبها نحو فضاء أرحب وأجمل. كما أنّ الجروح لا تتشابه، فلكل جرح حكايةٌ، تستحق أن تُروى، تختلف عن مثيلاتها، وتسبق لحظة الجرح بمدى زمنيّ يطول أو يقصر، وتعيش معه، وتستمر بعده. وقد تتغيّر حكايته، وتختلف قيمته باختلاف الزمان والمكان، فقد يتحوّل الجرح نفسه من بطولة وشرف ومجد وأكاليل غار، إلى تهمة تلاحق صاحبها، فلكل جرح سرديةٌ تبدأ ولا تنتهي.

حدّثنا غسّان عن الشهيد جمال أبو سمهدانة، مؤسس ألوية صلاح الدين في غزة، الذي عالج محدّثنا جرحَه وجروح ابنه وحفيده، وروى لكل منهم قصة جراح من سبقوه. هنا تتجاوز سردية الجرح الشخص نفسه، وحتى العائلة، لتصبح سردية أجيالٍ متعاقبة تتمسّك بوطن واحد، وتنزف دمًا أو مسكًا على ضفافه.

لكنّ دم الجرح الذي نزف وسال وروّى أرضًا، قد ينزف بعد أن يبرأ ألمًا أو ندمًا، وقد يتحوّل إلى إصرار وتحدٍّ، ففي الاتحاد السوفييتي كان جرحى الحرب العالمية الثانية يتقدّمون الصفوف في الاستعراضات العسكرية منتصبي القامة، تزيّن صدورهم النياشين والأوسمة، وهي النياشين والأوسمة نفسها التي اضطروا إلى بيعها بعد أن ألقى بهم الرئيس الأسبق، بوريس يلتسين، عند انهيار الاتحاد السوفييتي، إلى قارعة الطريق، قبل أن يعيد إليهم الرئيس الراهن، فلاديمير بوتين، بعضًا من كرامتهم المهدورة.

الجرح هو نفسه من ناحية تقنية، يحتاج إلى علاج ورعاية طبية، لكنّه قد يشكّل مصدر فخر واعتزاز حينًا، أو مصدر خزي وعار حينًا آخر، بل وقد يتحوّل من قيمة إيجابية إلى قيمة سلبية باختلاف الظروف السياسية. وهنا، لعلّنا نتساءل عن مشاعر جرحى الحرب العراقية الإيرانية، بعد أن أصبحت إيران الحليف الأقرب للنظام العراقي الرسمي، هل تمّت المحافظة على رمزية جروحهم، أم اختلف ذلك بحيث نسجت المتغيّرات السياسية سرديةً جديدةً لجراحٍ قديمة؟ هل

"تنشأ جروح الأوطان بتدخلات أطرافٍ خارجيةٍ تريد بسط هيمنتها عليه، ونهب مقدّراته، وإخضاعه لرغباتها"

يفاخرون بهذا الجرح أم يهربون منه؟ وهل ينقمون على من زجّهم في تلك الحرب، أم على من غيّر مسارها وتحالفاتها؟ هل تتحمّل تلك الجراح وزر الهزيمة كما تحتفل بالنصر، أم أنّ ذلك يلحق بقادتها ومسؤوليها فحسب؟ ينطبق هذا المثال على جرحى النظام والمعارضة في سورية، وفي الحروب الأهلية كلها، ليروي كل جرحٍ قصة وطنٍ نازفٍ بانتصاراته وهزائمه، وتحوّله إلى بلسمٍ يشفي الوطن من أمراضه، ويطهّره من خطاياه، أو تجعل منه نزفًا دائمًا في جسد وطنٍ كبيرٍ أنهكته الحروب، واستبدّ به الفساد، وعاث في أرجائه التطرّف والجمود.

لكل فرد أن يتباهى بجرحه ويفتخر به، أن يعدّه من دروب البطولة والفداء. له أن يؤدّي دور البطل، أو يمثّل دور الضحية، وله أن يخجل منه، إن لم يكن في سبيل هدفٍ نبيل، أو إذا ما تغيّرت الظروف وتبدلت الأحوال، ونَدِمَ على تجربةٍ خاضها أو اضطر إليها مرغمًا، ثم اكتشف عقمها وخواءها، وله أن يحزن ويتألم إن لم يجد، بعد حين، ذلك التقدير الكافي لما قام به، وإذا ما رأى من لم يبذلوا جهدًا يتقدّمون ليقطفوا الثمار الآن. ولكن ما يؤلم حقًا أن يمتد جرح الفرد ليُمسي جرح وطن، وجرح الوطن غائرٌ عميق، وينتشر سريعًا من العضو المصاب ليشمل سائر الأعضاء، فيمزّق نسيجه الاجتماعي والاقتصادي والثقافي، ليصل إلى منظومته القيمية، فيعيث فيها فسادًا.

تنشأ جروح الأوطان بتدخلات أطرافٍ خارجيةٍ تريد بسط هيمنتها عليه، ونهب مقدّراته، وإخضاعه لرغباتها. كما يُنتجها احتلالٌ غاشم يقضم الأرض، ويضع السكان تحت سطوة بساطير الاحتلال. لكن ما يعادل ذلك ويفوقه مرارةً أن يكون الجرح من صنع بعض أبنائه، وأن تكون الاستعانة بالأجنبي لتوطيد سلطانهم وحمايتهم من خطرٍ مزعوم. تتقيّح الجروح بالفساد الذي سرعان ما ينتشر، وينهك جسد الأمة كلها، وعادة ما يترافق الفساد مع الاستبداد، فتنعدم مظاهر الحرية وتختفي، ويُخترع أعداء وهميّون، وتُختلق ضغائن متخيلة، تُلهي العباد وتمكّن الفساد والاستبداد، وتتيح للعدو التسلل إلى داخل خلايانا وأدمغتنا.

قد يعالَج جرح الوطن بمناعة الجسم الذاتية، وبصمود أعضائه التي تزداد منعةً وقوةً، كلما استمرت في مقاومتها، وقد تسترد عافيتها إن اتحدت، ولكن، في أحيان وأزمان كثيرتين، يصدق المثل الشعبي "آخر العلاج الكيّ".

 

×
أخبار
بعد رفض شعبي..ترامب يرفض البث الحي لإعدام نضال حسن دبلوماسيان أمريكيان يحذران: تراجع الدعم الأمريكي لإسرائيل يهدد مكانتها الاستراتيجية ووجودها باهتة وغير حاسمة.. خبير بريطاني يحلل أسباب تعثر القوة الجوية الأمريكية والإسرائيلية ضد إيران "خسائر بمئات المليارات": تحولات ديموغرافية تهدد الاقتصاد الإسرائيلي ليبرمان يرفض دعم حكومة أقلية ويتعهد بائتلاف "صهيوني حصراً" استهداف قصر معاشيق الرئاسي في عدن بـ 4 صواريخ باليستية وتصاعد كثيف للدخان نتنياهو: أمليت موقفي على الشرع في مكالمة قصيرة وواضحة لوقف استهداف الدروز في خطوة تاريخية.. رابطة أمريكية للعلوم السياسية تصويت بالأغلبية لصالح المقاطعة الأكاديمية لإسرائيل مجلس السلام يعلن استكمال آليات الرقابة والمعايير المالية لتنفيذ خطة غزة السيسي: أمن السعودية ودول الخليج خط أحمر واستقرار غزة والسودان وليبيا من مقتضيات الأمن القومي العربي شبكة إعلانات إسرائيلية تتجسس على ملايين المستخدمين والمؤسسات الدولية لصالح شركات اختراق وتجسس تقرير حقوقي يكشف شهادات حول إطلاق حراس سجون الاحتلال النار على الأسرى الفلسطينيين داخل الزنازين نتنياهو يعلن إنشاء جدار أمني ضخم على الحدود الشرقية من اليرموك إلى إيلات ملادينوف يعلن تعليق تنسيق البضائع للقطاع الخاص بغزة ويدعو للإسراع بانتشار القوة الدولية الاتحاد الأوروبي ودول الخليج اتفقوا على تأجيل القمة المقرة بينهما في الرياض باكو: وفود عربية بيها فلسطين وتركيا وباكستان تغادر قاعة المؤتمر خلال كلمة هرتسوغ صندوق النقد الدولي يحذر من طول أمد الحرب والاضطرابات المتجددة كأكبر تهديد للشرق الأوسط الصحة: ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,396 شهيدا آيزنكوت يتعهّد بهزيمة "حماس" خلال 18 شهراً بعد قضية المسبحة.."استقالة" وزير الأوقاف الفلسطيني نتنياهو وسموتريتش يعتزمان نشر نحو ألفَي مراقب في صناديق الاقتراع بالبلدات العربية هجوم حوثي على مقر أرامكو بالظهران يدمر مكاتب الرئيس التنفيذي وكبار المسؤولين مجلس سلام ترامب لديمومة الموت في غزة! قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس: اقتحامات واعتقالات ومواجهات تحقيق جديد في الكونغرس حول تضارب مصالح كوشنر واستثماراته الإسرائيلية والخليجية سي إن إن: أمريكا تضع خططاً لاستخدام "أم القنابل" ضد إيران وثائق كتبها مساعدو نتنياهو تكشف مسؤوليته عن إخفاق 7 أكتوبر وتناقض روايته حول حماس الغارديان: إسرائيل تعرقل إنشاء قاعدة لمجلس السلام في غزة ترامب: كان ينبغي الإبقاء على قادة إيران السابقين لأنني لا أعرف مع من نتفاوض صفقة الديزل الروسي تثير الجدل.. ترامب يحمل زيلينسكي مسؤولية حرب الطاقة ويدعم موسكو

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط