مجلس السلام تحول إلى مجلس لديمومة احتلال قطاع غزة..بدلا من العمل نحو تعافي قطاع غزة المبكر

رمضان الصمود: بين قسوة الحرب وروح التكافل

رمضان الصمود: بين قسوة الحرب وروح التكافل

تاريخ النشر: 2026-02-26 | 11:25

يحلّ شهر رمضان هذا العام على قطاع غزة مثقلاً بأعباء حرب مستمرة وواقع اقتصادي–إنساني غير مسبوق، حيث تتقاطع البطالة مع الفقر، ويختلط النزوح بانعدام مقومات الحياة الأساسية، في مشهد يعيد تعريف معنى الصوم والصبر معًا. فالشهر الذي اعتاد أن يكون موسم اجتماع العائلات وامتلاء الموائد، يأتي اليوم في ظل خيام النزوح وبيوت مهدمة، وقلق يومي على لقمة الإفطار وماء السحور.

لقد أفضت الحرب إلى تدمير واسع في البنية التحتية وشلل في الأسواق ومصادر الدخل، ما رفع معدلات البطالة إلى مستويات قياسية، وأفقد آلاف الأسر قدرتها على تأمين احتياجاتها الأساسية. وباتت ميزانيات العائلات شبه معدومة، تعتمد على مساعدات محدودة أو مدخرات استُنزفت مع طول أمد الأزمة. في هذا السياق، لم يعد السؤال: "ماذا سنُعد للإفطار؟" بل أصبح: "هل سنجد ما يسدّ رمق الأطفال مع أذان المغرب؟"

وتشير تقديرات أممية وتقارير مؤسسات إغاثية إلى أن الواقع المعيشي بلغ مستويات غير مسبوقة؛ إذ تجاوزت معدلات البطالة ثلثي القوة العاملة، وارتفعت نسب الفقر إلى مستويات قياسية، مع اعتماد غالبية السكان على المساعدات الإنسانية كمصدر رئيسي للبقاء. كما تراجعت القدرة الشرائية للأسر بشكل حاد نتيجة انهيار الدخل وارتفاع أسعار السلع الأساسية، فيما تقلّص النشاط الاقتصادي إلى حدوده الدنيا مع توقف عجلة الإنتاج وتعطل سلاسل الإمداد. هذه المؤشرات لا تعكس أرقامًا مجردة، بل تصف واقعًا يوميًا قاسيًا يعيشه الصائمون وهم يوازنون بين الاحتياجات الأساسية وندرة الموارد.

في مخيمات النازحين، يتغير شكل رمضان بالكامل؛ خيام باردة مكتظة، وانعدام للخصوصية، وإفطار جماعي على ما يتوفر من معونات أو تبرعات متقطعة. لا كهرباء منتظمة تنير ليالي الصائمين، ولا مياه كافية تلبي الحد الأدنى من الاحتياجات اليومية، ولا طرق مهيأة تضمن تدفق الإمدادات بشكل مستقر. وهكذا تتحول أبسط تفاصيل الحياة الرمضانية إلى معادلة بقاء، يتداخل فيها العجز الإنساني مع قسوة الواقع المعيشي.

اقتصاديًا، يعكس رمضان في ظل الحرب ما يمكن تسميته بـ"اقتصاد الطوارئ القسري"، حيث تختفي آليات السوق الطبيعية لتحل محلها موجات احتكار وارتفاع حاد في الأسعار نتيجة شح السلع وتقييد دخولها وارتفاع تكاليف النقل والتخزين. وفي المقابل، تتآكل دخول الأسر إلى حدود الصفر، ما يخلق فجوة معيشية حادة بين الاحتياجات الأساسية والقدرة على تلبيتها. ولم تعد المشكلة مقتصرة على الغذاء فحسب، بل امتدت لتشمل الدواء والوقود ومستلزمات النظافة، وهي عناصر تزداد أهميتها في شهر الصيام.

وفي ظل هذا المشهد، تبرز ظاهرة الاستغلال واحتكار السلع ورفع الأسعار بوصفها جريمة أخلاقية واقتصادية في آن واحد. فتجار الحروب الذين يضاعفون معاناة الناس عبر المضاربة والاحتكار لا يعتدون فقط على السوق، بل على كرامة الإنسان وحقه في العيش الكريم خلال شهر يفترض أن تسوده الرحمة والتكافل. إن استمرار هذا السلوك دون مساءلة قانونية حازمة يهدد السلم المجتمعي ويقوّض ثقة المواطنين بالمنظومة الاقتصادية والرقابية. وإن لم تطلهم يد العدالة، فإن يد المجتمع ووعيه الجمعي ورفضه الشعبي ستبقى قادرة على محاصرة كل أشكال الاستغلال والابتزاز المعيشي.

وتتعاظم المأساة مع تعثر وصول بعض المساعدات الإنسانية أو منعها في أوقات حرجة، الأمر الذي يضاعف الضغط على المجتمع المحلي ويقوض أحد أهم معاني رمضان: التكافل. فعندما تُحاصر الإغاثة، يصبح التضامن المجتمعي المحدود هو الملاذ الأخير، رغم ضآلة إمكاناته أمام اتساع رقعة الحاجة. وهنا يتحول الفقر من رقم إحصائي إلى تجربة يومية مؤلمة، يعيشها الصائم وهو يحاول تأمين وجبة متواضعة لأسرته وسط غلاء متسارع واحتكار خانق.

يزيد من قسوة المشهد تزامن رمضان مع شتاء بارد يفرض أعباء إضافية على الأسر النازحة التي تحتاج إلى وقود وأغطية وملابس، في وقت تعجز فيه عن توفير الغذاء نفسه.

ومع ذلك، يحافظ رمضان في غزة على بُعده الرمزي كمساحة للصمود الجمعي؛ إذ تحاول الأسر، رغم كل شيء، التمسك بما تبقى من الطقوس الرمضانية: دعاء جماعي، إفطار بسيط، أو مشاركة لقمة بين عائلتين نازحتين. هذه التفاصيل الصغيرة، وإن بدت هامشية اقتصاديًا، تحمل قيمة اجتماعية ومعنوية كبيرة، إذ تعيد ترميم ما تصدّع من الروابط المجتمعية.

إن قراءة رمضان في غزة اليوم لا يمكن فصلها عن سياق اقتصاد الحرب، حيث تعطّل الإنتاج، وتراجعت التجارة، وارتفع الاعتماد على المساعدات، مع تضاؤل أي أفق قريب للتعافي.

وفي المحصلة، يأتي رمضان هذا العام بوصفه مرآة مكثفة للأزمة الإنسانية–الاقتصادية التي يعيشها القطاع؛ شهر يجتمع فيه الفقر والبطالة والنزوح وغلاء الأسعار ومنع المساعدات تحت سقف حرب لا تتوقف. ورغم ذلك، يظل الصائم الغزّي شاهدًا على قدرة الإنسان على التمسك بالمعنى الإنساني للرمضان، حتى وهو يعيشه في أقسى ظروف الحرب: صيامٌ على القليل، وصبرٌ على الكثير، وأملٌ بأن يأتي رمضان القادم وقد استعادت الحياة مقوماتها، وعاد للموائد دفؤها، وللإنسان كرامته الاقتصادية والإنسانية.

ويبقى النداء الأخير موجّهًا إلى المجتمع نفسه: إن قسوة الحرب لا تُواجَه إلا بتكافل الناس مع بعضهم البعض، والوقوف إلى جانب الفقراء والنازحين ومن فقدوا مصادر رزقهم. فمبادرات تقاسم الطعام، ودعم الأسر الأشد حاجة، وتعزيز روح التضامن المجتمعي، تمثل صمام الأمان الإنساني في زمن الأزمات. ففي رمضان، تتجدد القيم التي تحمي المجتمع من التفكك، وتؤكد أن الرحمة والتراحم أقوى من الجوع والحصار، وأن يد الخير حين تمتد بين الناس قادرة على ترميم ما هدمته الحرب.

×
أخبار
الصحة: ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,396 شهيدا الاتحاد الأوروبي ودول الخليج اتفقوا على تأجيل القمة المقرة بينهما في الرياض باكو: وفود عربية بيها فلسطين وتركيا وباكستان تغادر قاعة المؤتمر خلال كلمة هرتسوغ صندوق النقد الدولي يحذر من طول أمد الحرب والاضطرابات المتجددة كأكبر تهديد للشرق الأوسط آيزنكوت يتعهّد بهزيمة "حماس" خلال 18 شهراً بعد قضية المسبحة.."استقالة" وزير الأوقاف الفلسطيني نتنياهو وسموتريتش يعتزمان نشر نحو ألفَي مراقب في صناديق الاقتراع بالبلدات العربية هجوم حوثي على مقر أرامكو بالظهران يدمر مكاتب الرئيس التنفيذي وكبار المسؤولين مجلس سلام ترامب لديمومة الموت في غزة! قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس: اقتحامات واعتقالات ومواجهات تحقيق جديد في الكونغرس حول تضارب مصالح كوشنر واستثماراته الإسرائيلية والخليجية سي إن إن: أمريكا تضع خططاً لاستخدام "أم القنابل" ضد إيران وثائق كتبها مساعدو نتنياهو تكشف مسؤوليته عن إخفاق 7 أكتوبر وتناقض روايته حول حماس الغارديان: إسرائيل تعرقل إنشاء قاعدة لمجلس السلام في غزة ترامب: كان ينبغي الإبقاء على قادة إيران السابقين لأنني لا أعرف مع من نتفاوض صفقة الديزل الروسي تثير الجدل.. ترامب يحمل زيلينسكي مسؤولية حرب الطاقة ويدعم موسكو تقرير: سياسات إيران ومحورها أضرت بالفلسطينيين وخدمت اليمين الإسرائيلي آيزنكوت يؤكد القدرة على هزيمة نتنياهو.. وينفي ادعاءاته بشأن عملية «البيجر» الأمم المتحدة ترصد غارات وقصفاً مكثفاً بجميع محافظات غزة وتطالب إسرائيل بوقف التضييق بالضفة باحث إسرائيلي: نتنياهو يصوغ «حقيقة بديلة» لهروب قيادته من مسؤولية إخفاق 7 أكتوبر السيسي يرد على سموتريتش برسالة إلى تل أبيب..ويؤكد موقف مصر مع فلسطين زيلنسكي: أشعر بالخيانة من قبل ترامب وهو لا يقف في الجانب الصحيح من التاريخ النقابة: جيش الاحتلال يشن حربا واسعة ضد الصحفيين الفلسطينيين لحجب جرائمها استطلاع عبري: قفزة في القوائم العربية وتقارب كبير بين المعارضة الصهيونية والتحالف الحاكم عشرات آلاف يتظاهرون في كولومبيا ضدّ الرئيس الجديد احتجاجا على سياستة الاجتماعية بيلاي: عقوبات ترامب على الجنائية الدولية غير قانونية..ربما رد فعل على خسارته نوبل أوباما: حكومة نتنياهو فقدت المبادئ الأخلاقية بتجاهلها حقوق الشعب الفلسطيني مصر تذكر ترامب بالتزامات خطة غزة بعد مرور عام على توقيع شرم الشيخ «أفريقيا كجبهة جديدة لحروب الشرق الأوسط»: ممر البحر الأحمر وأنماط الفوضى الجيوسياسية العالمية تقرير: كيف أعادت سلسلة الحسابات الخاطئة إشعال حرب السعودية في اليمن؟

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط