مجلس السلام تحول إلى مجلس لديمومة احتلال قطاع غزة..بدلا من العمل نحو تعافي قطاع غزة المبكر

راشيل كوري: أيقونة الضمير الإنساني في مواجهة جبروت الاحتلال

راشيل كوري: أيقونة الضمير الإنساني في مواجهة جبروت الاحتلال

تاريخ النشر: 2026-03-16 | 12:22

في الذكرى الـ18 لاستشهادها: قصة شجاعة لم تُروَ بعد كما يجب

في السادس عشر من آذار/مارس من عام 2003، وعلى رمال مدينة رفح جنوب قطاع غزة،سطّرت شابة أمريكية من أصل يهودي،تدعى راشيل كوري (24 عاما)،أسمى آيات التضحية والفداء بدمائها الزكية.لم تكن راشيل جندية ولا سياسية،بل كانت ناشطة سلام في حركة التضامن الدولية (ISM)، جاءت من بلد الرفاهية والهدوء لتضع جسدها الصغير درعا بشريا أمام جرارة عسكرية إسرائيلية ضخمة من نوع "كاتربيلر" D9،كانت تهم بهدم منزل عائلة فلسطينية.لكن الجرارة لم تتوقف،بل دهستها بوحشية مرتين،اترفع روحها إلى بارئها، تاركةً للعالم إرثا من التساؤلات المؤرقة عن معنى الإنسانية،وعن صمت الضمير العالمي.

لم يكن يوم 16 مارس/آذار يوما عاديا في رفح. كانت آليات الاحتلال تمارس سياسة الأرض المحروقة،تهدم البيوت على رؤوس ساكنيها.وفي مشهد بطولي نادر،وقفت راشيل كوري،التي اشتهرت بتواضعها وإصرارها،أمام الجرارة الضخمة.كانت ترتدي سترة برتقالية لامعة، وتستخدم مكبر صوت لتنادي على السائق بالعبرية: "توقف! هناك أطفال في هذا البيت!". شهد صحفيون أجانب كانوا يغطون عملية الهدم أن الجرارة غيرت مسارها لتتجه نحوها عمداً، ودهستها،ثم رجعت إلى الخلف لتمر فوق جسدها مرة أخرى.الرواية الإسرائيلية الرسمية كانت ولا تزال: "السائق لم يرها"،وهي رواية تناقضها كل معايير الرؤية من داخل قمرة القيادة لتلك الجرافات العملاقة،وتناقضها أيضاً شهادات عشرات الشهود.

وقبل استشهادها بيومين فقط،وكأنها كانت تستشعر نهاية وشيكة،كتبت راشيل لأهلها في الولايات المتحدة كلمات تختزل فداحة ما رأته وعاشته:

"أعتقد أن أي عمل أكاديمي أو أي قراءة أو أي مشاركة بمؤتمرات أو مشاهدة أفلام وثائقية أو سماع قصص وروايات،لم تكن لتسمح لي بإدراك الواقع هنا،ولا يمكن تخيّل ذلك إذا لم تشاهده بنفسك،وحتى بعد ذلك تفكر طوال الوقت بما إذا كانت تجربتك تعبر عن واقع حقيقي."

هذه الكلمات تكشف وعياً نادراً.ام تكن راشيل مجرد متضامنة عاطفية،بل كانت باحثة عن الحقيقة،تدرك أن ما يحدث يتجاوز حدود الخيال، وأن رؤية معاناة شعب تحت الاحتلال هي وحدها القادرة على فضح زيف الخطابات السياسية المزدوجة.ويبدو أنها كانت تدرك أيضاً أن صدمة استشهادها قد تكون أقوى من أي تقرير أو فيلم وثائقي في إيصال صوت الفلسطينيين للعالم.

لم يحرك مقتل راشيل كوري ساكنا في أروقة الإدارة الأمريكية.صحيح أن النائب الأمريكي براين بيراد تقدم في آذار/مارس 2003 بمشروع قرار يدعو لإجراء تحقيق كامل،إلا أن مجلس النواب الأمريكي فضّل التغاضي عن الجريمة،في مشهد يعكس حالة الانحياز الأعمى لإسرائيل. 

في المقابل،كان الموقف الفلسطيني مختلفا. الرئيس الراحل ياسر عرفات لم يكتفِ بإرسال التعازي،بل تبنى راشيل كوري رمزا،ووعد والدته بتسمية شارع في رام الله باسمها،قائلا لها بعاطفة صادقة: "ابنتك أصبحت ابنة كل الفلسطينيين". كان هذا الاحتضان تعبيرا عن امتنان شعب كامل لفتاة آمنت بعدالة قضيته.

لم تكن راشيل مجرد ناشطة عابرة.هي شابة أمريكية من أولمبيا،ولاية واشنطن،نشأت في أسرة ليبرالية تؤمن بقيم العدالة الاجتماعية.وانخرطت في حركة التضامن الدولية (ISM) بهدف استخدام وجودها كمواطنة أمريكية "درعاً بشرياً" لحماية المدنيين الفلسطينيين من عنف الاحتلال. كانت تكتب يومياتها وتوثق ما تراه من انتهاكات، وكان حلمها أن تصبح شاعرة وصحفية. استشهادها حوّلها إلى أيقونة عالمية،وأطلق موجة من الجدل داخل إسرائيل والولايات المتحدة حول ممارسات الجيش الإسرائيلي.مسرحيتها "رحلتي إلى غزة" وحفيداتها "جوليا" و"برايان" اللتان لم ترهما،هي جزء من الإرث الذي تركته.

قصة راشيل كوري تتجاوز حدود الزمان والمكان. إنها:كشف للزيف الغربي: تُظهر كيف تتعامل الحكومات الغربية،التي ترفع شعارات حقوق الإنسان،بازدواجية معايير صارخة عندما يتعلق الأمر بإسرائيل.،دحض لادعاء "الديمقراطية الوحيدة": تكشف أن جيش الاحتلال لا يفرّق بين فلسطيني وأمريكي،وحتى بين من تنتمي للعقيدة اليهودية، عندما يكون الموقف دفاعا عن الاستيطان والتهويد.ورمز عالمي للمقاومة السلمية تثبت راشيل أن المقاومة ليست حكرا على أصحاب الأرض فقط، بل هي واجب إنساني على كل أحرار العالم.

وهنا نصل إلى السؤال الأصعب والأكثر إيلاما الذي أطرحه : بعد عقدين ونيف على استشهاد هذه الفتاة التي نذرت نفسها للقضية الفلسطينية،ما هو موقع راشيل كوري في الذاكرة الجمعية الفلسطينية والعربية؟ هل ما زلنا نستحضرها كنموذج يُحتذى به،أم أنها أصبحت مجرد قصة عابرة في زحام الألم اليومي؟

صحيح أن هناك شارعا باسمها في رام الله، وصحيح أن بعض المؤسسات الأهلية تذكرها بين الحين والآخر،لكن الحقيقة المرة،كما أشرت هي أن ذكراها تمر غالبا بصمت رسمي وشعبي مخيم.

و في الوقت الذي يحرص فيه الاحتلال على تخليد جرائمه عبر رواياته المزيفة،نغفل نحن عن تخليد رموز النضال الإنساني التي ساندتنا.

إن إحياء ذكرى راشيل كوري ليس مجرد تكريم لشخص، بل هو رسالة للعالم: بأن فلسطين لا تزال حاضنة لكل الأحرار،وبأن شعبها لا ينسى من وقف معه،أداة ضغط،إذ يمكن استغلالها سنويا في المحافل الدولية لتذكير الرأي العام العالمي بجرائم الاحتلال وبأن ضحاياه لا يفرقون بين جنسية وأخرى و غرس للقيم في الأجيال الفلسطينية الجديدة،لتعلم أن النضال من أجل الحرية هو قضية إنسانية عالمية.

إن استمرار تجاهلنا لهذه المناسبات الهامة، واكتفاءنا بالخطابات الرنانة في لحظات الغضب العابرة،يعكس جزءا من الأزمة الأعمق التي نعيشها: أزمة في الخطاب،وأزمة في استثمار رموزنا وقضايانا.!

 راشيل كوري لم تكن بحاجة لتكريمنا بقدر ما نحن بحاجة إلى أن نكرّم فيها معنى الشجاعة والإنسانية والفداء،وأن نصنع منها أيقونة دائمة في وجداننا،نستحضرها ليس فقط في ذكراها، بل في كل مرة نروي فيها حكاية شعب يموت كل يوم،لأنه يؤمن بالحياة.

سلاما لروحك الطاهرة،أيتها المناضلة المسافرة عبر الغيوم.سلاما لراشيل التي علّمت العالم أن الضمير الإنساني يمكن أن يكون أقوى من الجرافات وأكثر خلودا من جدران الصمت.

*راشيل كوري (بالإنجليزية:Rachel Corrie كوري فتاة أمريكية يهودية -، عاشت بين 10 أفريل 1979 – 16 مارس 2003 م) عضوة في حركة التضامن العالمية (ISM) وسافرت لقطاع غزه بفلسطين المحتلة أثناء الانتفاضة الثانية حيث قتلت بطريقة وحشية من قبل جيش الاحتلال الإسرائيلي عند محاولتها إيقاف جرافة عسكرية تابعة للقوات الإسرائيلية كانت تقوم بهدم مباني مدنية لفلسطينيين في مدينة رفح في قطاع غزّة.

×
أخبار
دبلوماسيان أمريكيان يحذران: تراجع الدعم الأمريكي لإسرائيل يهدد مكانتها الاستراتيجية ووجودها باهتة وغير حاسمة.. خبير بريطاني يحلل أسباب تعثر القوة الجوية الأمريكية والإسرائيلية ضد إيران "خسائر بمئات المليارات": تحولات ديموغرافية تهدد الاقتصاد الإسرائيلي ليبرمان يرفض دعم حكومة أقلية ويتعهد بائتلاف "صهيوني حصراً" استهداف قصر معاشيق الرئاسي في عدن بـ 4 صواريخ باليستية وتصاعد كثيف للدخان نتنياهو: أمليت موقفي على الشرع في مكالمة قصيرة وواضحة لوقف استهداف الدروز في خطوة تاريخية.. رابطة أمريكية للعلوم السياسية تصويت بالأغلبية لصالح المقاطعة الأكاديمية لإسرائيل مجلس السلام يعلن استكمال آليات الرقابة والمعايير المالية لتنفيذ خطة غزة السيسي: أمن السعودية ودول الخليج خط أحمر واستقرار غزة والسودان وليبيا من مقتضيات الأمن القومي العربي شبكة إعلانات إسرائيلية تتجسس على ملايين المستخدمين والمؤسسات الدولية لصالح شركات اختراق وتجسس تقرير حقوقي يكشف شهادات حول إطلاق حراس سجون الاحتلال النار على الأسرى الفلسطينيين داخل الزنازين نتنياهو يعلن إنشاء جدار أمني ضخم على الحدود الشرقية من اليرموك إلى إيلات ملادينوف يعلن تعليق تنسيق البضائع للقطاع الخاص بغزة ويدعو للإسراع بانتشار القوة الدولية الاتحاد الأوروبي ودول الخليج اتفقوا على تأجيل القمة المقرة بينهما في الرياض باكو: وفود عربية بيها فلسطين وتركيا وباكستان تغادر قاعة المؤتمر خلال كلمة هرتسوغ صندوق النقد الدولي يحذر من طول أمد الحرب والاضطرابات المتجددة كأكبر تهديد للشرق الأوسط الصحة: ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,396 شهيدا آيزنكوت يتعهّد بهزيمة "حماس" خلال 18 شهراً بعد قضية المسبحة.."استقالة" وزير الأوقاف الفلسطيني نتنياهو وسموتريتش يعتزمان نشر نحو ألفَي مراقب في صناديق الاقتراع بالبلدات العربية هجوم حوثي على مقر أرامكو بالظهران يدمر مكاتب الرئيس التنفيذي وكبار المسؤولين مجلس سلام ترامب لديمومة الموت في غزة! قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس: اقتحامات واعتقالات ومواجهات تحقيق جديد في الكونغرس حول تضارب مصالح كوشنر واستثماراته الإسرائيلية والخليجية سي إن إن: أمريكا تضع خططاً لاستخدام "أم القنابل" ضد إيران وثائق كتبها مساعدو نتنياهو تكشف مسؤوليته عن إخفاق 7 أكتوبر وتناقض روايته حول حماس الغارديان: إسرائيل تعرقل إنشاء قاعدة لمجلس السلام في غزة ترامب: كان ينبغي الإبقاء على قادة إيران السابقين لأنني لا أعرف مع من نتفاوض صفقة الديزل الروسي تثير الجدل.. ترامب يحمل زيلينسكي مسؤولية حرب الطاقة ويدعم موسكو تقرير: سياسات إيران ومحورها أضرت بالفلسطينيين وخدمت اليمين الإسرائيلي

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط