تاريخ النشر: 2026-10-31 | 17:40
تاريخ النشر: 2026-10-31 | 17:40
تل أبيب: حمّل أكاديميون وقائمون على استطلاعات الرأي في إسرائيل أسلوب إجراء الاستطلاعات عبر الإنترنت، وغياب الشفافية لدى شركات الاستطلاع، مسؤولية الفجوة الواسعة التي ظهرت بين توقعات القنوات التلفزيونية والنتائج الفعلية للانتخابات العامة، في حين رأى أحد أبرز المستطلعين أن ما جرى سيدفع المؤسسات الإعلامية إلى إعادة النظر في طريقة تعاملها مع هذا المجال.
وبحسب تقرير «هآرتس» العبرية يوم الجمعة، قدّمت القنوات الإسرائيلية طوال الحملة الانتخابية صورًا متباينة للمشهد. فقد أظهرت استطلاعات القنوات 11 و12 و13 تقدّم «معسكر التغيير» باستمرار على معسكر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، بينما توقعت القناة 14 فوز حكومة يمينية ضيقة بأغلبية واضحة. وكانت القناتان 15 و16 الأقرب إلى النتائج النهائية في رسم خريطة المعسكرات، لكنهما أخطأتا في أحيان كثيرة بخمسة أو ستة مقاعد في تقدير أحجام الأحزاب.
وتتقاطع هذه الصورة مع تعليقات إسرائيلية أخرى بعد الانتخابات. فقد كتب المحلل السياسي في القناة 12 عميت سيغال أن ما حدث يشبه «يوم كيبور» لمعظم المستطلعين، مشيرًا إلى أن توقعات ما قبل التصويت منحت المعارضة تفوقًا بنحو ستة مقاعد، وهو ما لم تؤكده النتائج.
«مشكلة منهجية خطيرة»
وقال البروفيسور ميخائيل غلعاد، من مدرسة العلوم النفسية في جامعة تل أبيب، إن جذر المشكلة يكمن في طريقة جمع البيانات. وأوضح أن شركات الاستطلاع تعتمد تقريبًا كلها على لوحات إلكترونية يُطلب من المشاركين الانضمام إليها طوعًا، وتستعين أحيانًا باتصالات هاتفية تكميلية للوصول إلى فئات محددة، مثل الحريديم والعرب.
وبحسب غلعاد، فإن هذه اللوحات تنطوي على انحياز جوهري، إذ لا توجد وسيلة موثوقة للتحقق من أنها تمثل المجتمع الإسرائيلي تمثيلًا أمينًا، لأن الانضمام إليها مفتوح لمن يرغب مقابل مكافأة رمزية. وقال إن «وسائل الإعلام توفّر المال على حسابنا»، معتبرًا أن الاعتماد على قاعدة لا تتحكم الشركة في تكوينها ثم تحليل خصائص المشاركين بعد الاستطلاع يخالف المبدأ الأساسي القائم على العينة التمثيلية.
دفاع عن الأسلوب
في المقابل، دافع البروفيسور دافيد شتاينبرغ، من قسم الإحصاء في الجامعة نفسها والمستشار الإحصائي لفريق استطلاعات أخبار القناة 13، عن اللوحات الإلكترونية، معتبرًا أنها الأسلوب الأكثر شيوعًا والأفضل بين البدائل المتاحة. وأشار إلى أن الاتصال الهاتفي أو الرسائل النصية القصيرة يواجهان مشكلة ضعف الاستجابة، إذ إن نسبة استجابة تبلغ اثنين في المئة تُعدّ مرتفعة في الاتصالات الهاتفية.
وأضاف شتاينبرغ أن لوحات الاستطلاع تقدم مكافآت للمشاركين، ما يقلّص الفوارق بين من اختاروا الانضمام إليها ومن لم يفعلوا. وقال إن المنضمين يقدمون معلومات أساسية عن أنفسهم، وإن كانت لا تضمن تمثيلًا دقيقًا كاملًا، لكنها تتيح لكل شركة استخدام أساليب تحليل لتحييد الانحيازات وتصحيح النتائج.
الجانب الاجتماعي والنفسي
أما تسوريئيل شارون، مالك شركة «دايركت بولز» والقائم على استطلاعات قناة 15 (i24NEWS)، فيُنظر إليه على أنه الفائز الأكبر في استطلاعات الانتخابات الأخيرة. وعزا شارون نجاحه إلى الاستثمار المالي في التكنولوجيا وفهم الجانب الإنساني في الاستطلاعات. وقال إن توزيع المقاعد مسألة سوسيولوجية بقدر ما هو إحصائية، لأنه يتطلب فهم الشيفرات الاجتماعية للفئات المستهدفة ودوافع التصويت والهويات والعواطف.
وأكد شارون أن نظامه التكنولوجي قادر على معالجة الانحيازات الناجمة عن اللوحات الإلكترونية، لكن التحدي الأكبر في رأيه يكمن في كيفية تحليل النتائج، وبخاصة التعامل مع نسب المترددين في المراحل المبكرة من الحملة.
وبحسب شارون، ظهرت الفجوة الأكبر في مسألة مصير الناخبين المترددين من مؤيدي الليكود وعدد من سيغادر منهم المعسكر. وقال إن لنزيف الأصوات من الليكود حدًا أدنى يصعب تجاوزه، وإن بعض المستطلعين لم يدركوا ذلك، في حين بدت القناة 14 غير مدركة لحجم الغضب المتراكم على الحكومة حتى لدى مؤيديها.
المفاجأة العربية
وإلى جانب صعوبة قراءة سلوك مؤيدي الليكود، واجه المستطلعون صعوبة في تقدير نسبة التصويت في المجتمع العربي. وقال شارون إن أحدًا لم يتوقع أن يتجاوز تمثيل الجمهور العربي 14 أو 15 مقعدًا، مضيفًا أن نسب التصويت في بعض البلدات العربية تجاوزت نظيرتها في البلدات اليهودية، وهو أمر لم يحدث سابقًا. ووصف القفزة من نسبة اعتاد المجتمع عليها قرابة 50 في المئة بأنها حدث خارج النطاق الإحصائي المألوف.
ورأى شارون أن المعيار الأهم لنجاح الاستطلاعات في إسرائيل ليس دقة عدد مقاعد كل حزب، بل القدرة على تحديد حجم المعسكرات، لأن هذا ما يحسم تشكيل الحكومة، خصوصًا في ظل الافتراض السائد بأن الانتقال بين المعسكرات محدود.
التماس بشأن الشفافية
وقال غلعاد إن غياب الشفافية يزيد الشكوك في موثوقية الاستطلاعات. وبحسبه، فإن الشركات تكتفي بمعلومات عامة جدًا عن تركيبة لوحاتها، ما يجعل فهم أسباب التباين بينها مستحيلًا، مع أن القانون يفرض تقاسم هذه المعلومات. وقدّم مع البروفيسور ليئور شيفر، من جامعة تل أبيب، التماسًا إلى لجنة الانتخابات بشأن هذا الغياب، مبررًا ذلك بالفجوات الكبيرة بين القائمين على الاستطلاعات، ومنها تلك المرتبطة بشركة «فيلبر»، وما تثيره من مخاوف من استخدام الاستطلاعات للتأثير في نوايا الناخبين.
وأشار غلعاد إلى أن مؤسسات إعلامية عالمية تتبع نهجًا أكثر انكشافًا، ومنها صحيفة «نيويورك تايمز»، التي تعرض تفاصيل تركيبة العينة، مثل أصول المشاركين ومستواهم التعليمي وتصويتهم السابق، وتشرح النموذج الذي استندت إليه في تحديد الناخبين المرجّح مشاركتهم.
تداعيات متوقعة
وتوقع شارون أن تؤدي أخطاء الحملة الأخيرة إلى تغييرات جذرية، قائلًا إن الأمر لا يقتصر على المستطلعين، بل سيؤثر في سوق الإعلام كله. واعتبر أن ما جرى إنذار خطير يستوجب من مؤسسات إعلامية كثيرة استخلاص الدروس، وأن القنوات ستضطر إلى إعادة حساباتها وتغيير مسارها.