مجلس السلام تحول إلى مجلس لديمومة احتلال قطاع غزة..بدلا من العمل نحو تعافي قطاع غزة المبكر

"حين يأكل الكرسي صاحبه: متلازمة السلطة وأوهام الخلود في الشرق"

"حين يأكل الكرسي صاحبه: متلازمة السلطة وأوهام الخلود في الشرق"

تاريخ النشر: 2026-06-04 | 11:23

ماذا يحدث للإنسان عندما يجلس طويلاً على الكرسي؟
لا أقصد التعب الذي يصيب الظهر، ولا الخدر الذي يتسلل إلى الأطراف، بل ذلك التحول الغامض الذي يصيب الروح... ذلك التغير البطيء الذي لا يراه أحد في البداية، وربما لا يراه صاحبه نفسه.  حيث يتحول الرجل الذي جاء ذات يوم محملاً بالشعارات والوعود والأحلام الكبيرة، إلى رجل آخر تماماً؛ رجل يخاف من الغد أكثر مما يخافه الناس، ويخشى التغيير أكثر مما يخشاه خصومه، ويصبح مستعداً لأن يحرق الحقول التي وعد بزراعتها إذا شعر أن أحداً قد يقطف ثمارها بعده.
في الشرق لا تموت السلطة عندما تفشل، ولا ترحل عندما تخطئ، ولا تتقاعد عندما تشيخ؛ إنها تبقى. تبقى كما تبقى الصخور في مجرى النهر، وكما تبقى الصور القديمة على جدران البيوت المهجورة. تبقى لأنها لا ترى نفسها سلطة أصلاً، بل ترى نفسها قدراً...ومن هنا تبدأ الحكاية...!
في البداية يعتلي المسؤول منصبه باعتباره خادماً للدولة. بعد سنوات يصبح حارساً لها، ثم يتحول إلى مالك معنوي لها، وبعد زمن أطول بقليل، يختلط عليه الأمر فلا يعود يعرف أين تنتهي الدولة وأين يبدأ هو، حينها تصبح مؤسسات البلاد امتداداً لمكتبه، ويصبح القانون تفسيراً لرغباته، ويصبح الولاء للوطن مرهوناً بالولاء لشخصه.
عند هذه النقطة تحديداً، لا يعود المنصب وظيفة، بل يتحول إلى عقيدة.... عقيدة كاملة لها أنبياؤها الصغار من المنتفعين، وكهنتها من المصفقين، ونصوصها المقدسة التي لا يجوز الاقتراب منها، وأعداؤها الذين يتكاثرون كلما ضاقت المسافة بين الحاكم والحقيقة.
ولأن السلطة الطويلة لا تنتج الحكمة دائماً، فإنها كثيراً ما تنتج وهماً أكبر من أي حقيقة، الوهم الأول أن الحاكم يعتقد أن الناس يحبونه، والوهم الثاني أن الناس لا يستطيعون العيش بدونه، أما الوهم الثالث، وهو الأخطر، فهو اعتقاده أن التاريخ سيتوقف إذا غادر.
 وهنا تبدأ المأساة المتكررة: مأساة رجال يظنون أنهم أكبر من أوطانهم، بينما تثبت الوقائع مرة بعد أخرى أن الأوطان تبقى وأن الجميع يرحلون.
لكن المشكلة أن السلطة لا تكتفي بخداع صاحبها، بل تعيد تشكيل وعيه بالكامل، فهي تحيطه بطبقة سميكة من الأصوات التي لا تقول سوى ما يريد سماعه، وحين يتكرر المديح آلاف المرات، يتحول إلى حقيقة في ذهن صاحبه، وحين يتكرر التصفيق طويلاً، يختفي الضجيج القادم من الشوارع البعيدة. هكذا يفقد المسؤول قدرته على سماع الناس، لا لأنه لا يريد أن يسمعهم، بل لأنه لم يعد قادراً على تمييز أصواتهم وسط جوقة التبجيل اليومية.
في الشرق، تبدو هذه الظاهرة أكثر وضوحاً من أي وقت مضى. فبينما تتغير خرائط العالم بسرعة مذهلة، ما زالت قطاعات واسعة من النخب السياسية تعيش بعقلية الحارس الأخير للمدينة، كل مسؤول يتخيل أنه الجدار الأخير الذي يمنع الانهيار، وكل حزب يعتقد أنه آخر قلاع الوطنية، وكل جماعة تتصور أنها الوكيل الحصري للحقيقة. 
والنتيجة؟ مجتمعات تتغير أسرع من حكامهاـ وشعوب تتقدم نحو المستقبل بينما تجرها نخبها نحو الماضي، ودول تبدو في ظاهرها مستقرة، لكنها في الداخل تئن تحت ثقل الجمود والخوف والعجز عن التجدد.
في بعض بلدان الشرق، لم يعد الصراع الحقيقي بين السلطة والمعارضة، بل بين المستقبل والخوف منه، بين فكرة تداول المسؤولية وفكرة احتكارها، بين من يرى الدولة مؤسسة للجميع، ومن يراها إرثاً شخصياً يجب الدفاع عنه حتى آخر لحظة. ولهذا لا يصبح البقاء في السلطة مجرد قرار سياسي، بل يتحول إلى معركة وجودية... معركة يخوضها المسؤول ضد الزمن، حيث يضيق صدره بكل وجه جديد، ويرتبك أمام كل فكرة جديدة، ويشعر أن كل شاب طموح مشروع منافس، وأن كل نقد بداية مؤامرة، وأن كل دعوة للإصلاح محاولة لسحب الكرسي من تحته. عندها لا يعود السؤال: كيف نبني الدولة؟ بل يصبح: كيف نحمي مواقعنا داخل الدولة؟ ولا يعود الإنجاز معيار النجاح، بل القدرة على البقاء... ولا يعود المستقبل مشروعاً جماعياً، بل يصبح رهينة لمخاوف أفراد.
وما يضاعف المأساة أن كثيراً من الأنظمة والتنظيمات والمؤسسات، الرسمية وغير الرسمية، تتحدث بلغة التغيير وتمارس نقيضها، ترفع صور الشباب لكنها تخشى صعودهم، تتغنى بالديمقراطية لكنها ترتعب من نتائجها، تدعو إلى المشاركة لكنها تحتكر القرار، وكأن المطلوب من الأجيال الجديدة أن تصفق للمستقبل لا أن تصنعه. وفي قلب هذا المشهد، تقف مجتمعات كاملة تدفع الثمن: ثمن الأعمار المهدورة، والفرص الضائعة، وثمن الطاقات التي تتبخر كل يوم لأن أحداً ما قرر أن الكرسي أهم من الفكرة، وأن البقاء أهم من البناء.
لكن التاريخ، ذلك القاضي العنيد الذي لا ينام، علمنا درساً واحداً يتكرر بلا استثناء، فكل سلطة اعتقدت أنها أبدية اكتشفت متأخرة أنها كانت مجرد فصل عابر، وكل مسؤول ظن أن البلاد تبدأ من مكتبه وتنتهي عند باب سيارته الرسمية، تحول بعد سنوات إلى صورة باهتة في أرشيف منسي.
أما الشعوب، فرغم انكساراتها الكثيرة، تواصل السير، ورغم الهزائم، تستعيد قدرتها على الحلم، ورغم كل شيء، تبقى أكبر من الذين حكموها، لأن الكرسي، مهما ارتفع، يظل قطعة خشب أو جلد أو معدن. أما الوطن، فلا يتسع له كرسي واحد، ولا يختصره رجل واحد، ولا يحق لأحد أن يتعامل معه بوصفه ملكية خاصة، أو إرثاً عائلياً، أو جائزة أبدية.
فأخطر ما تفعله السلطة بالإنسان ليس أنها تمنحه القوة، بل أنها تقنعه بأن هذه القوة ستبقى إلى الأبد، وهذا هو الوهم الذي سقطت عند أعتابه إمبراطوريات، وضاعت بسببه دول، وتآكلت تحته أحلام شعوب كاملة.
إنها متلازمة السلطة... ذلك المرض الذي يبدأ بالجلوس على الكرسي، وينتهي بأن يصبح الكرسي جالساً فوق صاحبه....!

×
أخبار
باهتة وغير حاسمة.. خبير بريطاني يحلل أسباب تعثر القوة الجوية الأمريكية والإسرائيلية ضد إيران "خسائر بمئات المليارات": تحولات ديموغرافية تهدد الاقتصاد الإسرائيلي ليبرمان يرفض دعم حكومة أقلية ويتعهد بائتلاف "صهيوني حصراً" استهداف قصر معاشيق الرئاسي في عدن بـ 4 صواريخ باليستية وتصاعد كثيف للدخان نتنياهو: أمليت موقفي على الشرع في مكالمة قصيرة وواضحة لوقف استهداف الدروز في خطوة تاريخية.. رابطة أمريكية للعلوم السياسية تصويت بالأغلبية لصالح المقاطعة الأكاديمية لإسرائيل مجلس السلام يعلن استكمال آليات الرقابة والمعايير المالية لتنفيذ خطة غزة السيسي: أمن السعودية ودول الخليج خط أحمر واستقرار غزة والسودان وليبيا من مقتضيات الأمن القومي العربي شبكة إعلانات إسرائيلية تتجسس على ملايين المستخدمين والمؤسسات الدولية لصالح شركات اختراق وتجسس تقرير حقوقي يكشف شهادات حول إطلاق حراس سجون الاحتلال النار على الأسرى الفلسطينيين داخل الزنازين نتنياهو يعلن إنشاء جدار أمني ضخم على الحدود الشرقية من اليرموك إلى إيلات ملادينوف يعلن تعليق تنسيق البضائع للقطاع الخاص بغزة ويدعو للإسراع بانتشار القوة الدولية الاتحاد الأوروبي ودول الخليج اتفقوا على تأجيل القمة المقرة بينهما في الرياض باكو: وفود عربية بيها فلسطين وتركيا وباكستان تغادر قاعة المؤتمر خلال كلمة هرتسوغ صندوق النقد الدولي يحذر من طول أمد الحرب والاضطرابات المتجددة كأكبر تهديد للشرق الأوسط الصحة: ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,396 شهيدا آيزنكوت يتعهّد بهزيمة "حماس" خلال 18 شهراً بعد قضية المسبحة.."استقالة" وزير الأوقاف الفلسطيني نتنياهو وسموتريتش يعتزمان نشر نحو ألفَي مراقب في صناديق الاقتراع بالبلدات العربية هجوم حوثي على مقر أرامكو بالظهران يدمر مكاتب الرئيس التنفيذي وكبار المسؤولين مجلس سلام ترامب لديمومة الموت في غزة! قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس: اقتحامات واعتقالات ومواجهات تحقيق جديد في الكونغرس حول تضارب مصالح كوشنر واستثماراته الإسرائيلية والخليجية سي إن إن: أمريكا تضع خططاً لاستخدام "أم القنابل" ضد إيران وثائق كتبها مساعدو نتنياهو تكشف مسؤوليته عن إخفاق 7 أكتوبر وتناقض روايته حول حماس الغارديان: إسرائيل تعرقل إنشاء قاعدة لمجلس السلام في غزة ترامب: كان ينبغي الإبقاء على قادة إيران السابقين لأنني لا أعرف مع من نتفاوض صفقة الديزل الروسي تثير الجدل.. ترامب يحمل زيلينسكي مسؤولية حرب الطاقة ويدعم موسكو تقرير: سياسات إيران ومحورها أضرت بالفلسطينيين وخدمت اليمين الإسرائيلي آيزنكوت يؤكد القدرة على هزيمة نتنياهو.. وينفي ادعاءاته بشأن عملية «البيجر»

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط