مجلس السلام تحول إلى مجلس لديمومة احتلال قطاع غزة..بدلا من العمل نحو تعافي قطاع غزة المبكر

حسام عبدو «أبو فراس»… عامان على الرحيل

حسام عبدو «أبو فراس»… عامان على الرحيل

تاريخ النشر: 2026-08-29 | 16:30

وليد العوض
وليد العوض

في التاسع والعشرين من آب، تحل الذكرى الثانية لرحيل الرفيق حسام عبدو «أبو فراس». عامان مضيا، وما زلت أشعر أن رحيله ليس خبراً عابراً يمكن أن تطويه الأيام. ثمة أشخاص يرحلون، لكن حضورهم يبقى عالقاً في تفاصيل المكان والذاكرة، في لحظات الخوف والنجاة، وفي مواقف لا يستطيع الزمن محوها.
أستعيد اليوم حسام، لا من خلال الكلام المعتاد في ذكرى الرحيل، بل من خلال أيام عشناها معاً تحت النار، حين كان الموت قريباً إلى هذا الحد، وحين كانت قيمة الإنسان تُقاس بما يفعله للآخرين في أحلك الظروف.
في تلك الأيام، وبعد خروجي من حصار استمر سبعين يوماً في جمعية الشبان المسيحية، وصلت إلى الرفيق أبو فراس. احتضنني، وكانت الدموع تترقرق في مقلتي كلينا. لم يكن هناك الكثير مما يمكن قوله؛ فالمشهد وحده كان يقول كل شيء.
نقلني أنا وعائلتي إلى شقة كريمة لديه، وقال لنا إن علينا أن نتدبر أمورنا فيها حتى يستقر الوضع. لم يكتفِ بتوفير المكان، بل أخذ يبحث عما نحتاجه، وأحضر لنا الطعام والماء، وهما الشيئان اللذان كنا نفتقدهما لفترات طويلة خلال ذلك الحصار القاسي.
بعد ثلاثة أيام قررت العودة إلى منزلي في تل الهوا، تلك المنطقة الموحشة والخالية من السكان، التي كانت تجوبها الدبابات مراراً وتكراراً، وتفرض عليها الحصار أياماً وأسابيع. كان أبو فراس يقول عنها إنها لا يسكنها إلا «السباع»، لكثرة ما تعرضت له من القصف والتوغل والحصار.
وقد تكرر حصارها خمس مرات، امتد كل منها أسابيع، وكنا في كل مرة نعيش على وقع القصف وانتظار المجهول.
لكن حسام كان حريصاً على أن يصل إليّ.
إذا تمكن من الاتصال اتصل، وإن تعذر ذلك أرسل رسالة هاتفية، وإن انقطعت كل وسائل الاتصال كان يبحث عن طريقة أخرى. وكان، كلما انسحبت الدبابات، وقبل أن يزول الغبار والدخان والنار التي تخلفها وراءها، من أوائل الواصلين إلينا.
كان يأتي ليطمئن علينا.
ثم لا يكتفي بالاطمئنان.
كان يساعدني وبناتي على ترميم ما يمكن ترميمه في البيت، حتى نتمكن من العيش فيه. لم يكن ينظر إلى ما أصابنا باعتباره مصيبتنا وحدنا؛ كان يتعامل معه وكأنه أصابه هو أيضاً.
وهكذا كان أبو فراس.
شهماً، شجاعاً، طيباً، يحمل معنى الرفقة في أبسط صورها وأكثرها صدقاً. لم تكن شجاعته كلاماً، ولا شهامته موقفاً عابراً، بل سلوكاً يومياً يظهر عندما يحتاج الناس إلى من يقف إلى جانبهم.
في آخر حصار، وبعد أن نُسفت الأبراج الملاصقة لمنزلنا، وتطايرت النوافذ والأبواب التي كنا قد أصلحناها معاً أكثر من مرة، نظرنا إلى ما بقي، واتفقنا على ألا نعود إلى ترميم البيت إلا بعد انتهاء الحرب.
كان اتفاقاً بسيطاً، لكنه كان يحمل في داخله أملاً كبيراً: أن تنتهي الحرب، وأن نعود لإصلاح ما تهدم، وأن نستعيد شيئاً من حياتنا.
لكن الحرب لم تنتهِ.
والبيت لم يُرمم.
ورحل أبو فراس.
رحل قبل أن نفي بذلك الاتفاق، وقبل أن تهدأ غزة، وقبل أن نتمكن من إصلاح ما هدمته الطائرات والدبابات.
رحل حسام عبدو بعد أن قصفت الطائرات منزله، فرحل هو وعدد من أفراد أسرته وجيرانه. وواريناه الثرى على عجل في مقبرة ابن مروان، عند مدخل الشجاعية، في مشهد لم يكن يليق برفيق مثله، لكنه كان يليق بواقع غزة التي كانت تودع أبناءها على عجل، تحت النار، وبين الركام.
وبقيت تفاصيله الصغيرة والكبيرة شاهدة عليه: يده التي امتدت في وقت الحاجة، حضنه عند اللقاء، قلقه علينا، اتصالاته ورسائله، وصوله السريع بعد كل انسحاب، ووقوفه إلى جانبنا كلما تهدم شيء.
في الذكرى الثانية لرحيله، لا أريد أن أقول فقط إننا نفتقده ، فالافتقاد كلمة لا تكفي لوصف غياب رفيق عاش معك الخوف والألم والأمل.
أريد أن أقول إن حسام ترك أثراً من النوع الذي لا يزول.
تركه في قلوب رفاقه، وفي ذاكرة عائلته، وفي كل بيت مدّ إليه يداً في لحظة عسيرة.
كان أبو فراس فارساً شهماً، شجاعاً، طيباً، حاملاً لهذه القيم في حياته ومواقفه. لم تكن هذه الصفات مجرد ما نقوله عنه اليوم لأنه رحل؛ كانت ما عرفناه فيه حين كان بيننا، وفي الأيام التي كان يمكن للإنسان فيها أن ينكفئ على نفسه، لكنه اختار أن يمد يده للآخرين.
رحل جسده، لكن صورته ما زالت حاضرة.
وما زلت، كلما تذكرت تلك الأيام، أراه قادماً قبل أن يزول الغبار، يسألنا كما كان يفعل دائماً:
كيف أنتم؟
عامان مضيا يا أبا فراس، وما زال السؤال حاضراً، وما زالت صورتك حاضرة، وما زالت يدك التي امتدت إلينا في أصعب الأيام حاضرة في الذاكرة.
ستبقى حاضراً بين رفاقك، كما كنت دائماً… رفيقاً لا يغيب.

×
أخبار
الاتحاد الأوروبي ودول الخليج اتفقوا على تأجيل القمة المقرة بينهما في الرياض باكو: وفود عربية بيها فلسطين وتركيا وباكستان تغادر قاعة المؤتمر خلال كلمة هرتسوغ صندوق النقد الدولي يحذر من طول أمد الحرب والاضطرابات المتجددة كأكبر تهديد للشرق الأوسط آيزنكوت يتعهّد بهزيمة "حماس" خلال 18 شهراً بعد قضية المسبحة.."استقالة" وزير الأوقاف الفلسطيني نتنياهو وسموتريتش يعتزمان نشر نحو ألفَي مراقب في صناديق الاقتراع بالبلدات العربية هجوم حوثي على مقر أرامكو بالظهران يدمر مكاتب الرئيس التنفيذي وكبار المسؤولين مجلس سلام ترامب لديمومة الموت في غزة! قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس: اقتحامات واعتقالات ومواجهات تحقيق جديد في الكونغرس حول تضارب مصالح كوشنر واستثماراته الإسرائيلية والخليجية سي إن إن: أمريكا تضع خططاً لاستخدام "أم القنابل" ضد إيران وثائق كتبها مساعدو نتنياهو تكشف مسؤوليته عن إخفاق 7 أكتوبر وتناقض روايته حول حماس الغارديان: إسرائيل تعرقل إنشاء قاعدة لمجلس السلام في غزة ترامب: كان ينبغي الإبقاء على قادة إيران السابقين لأنني لا أعرف مع من نتفاوض صفقة الديزل الروسي تثير الجدل.. ترامب يحمل زيلينسكي مسؤولية حرب الطاقة ويدعم موسكو تقرير: سياسات إيران ومحورها أضرت بالفلسطينيين وخدمت اليمين الإسرائيلي آيزنكوت يؤكد القدرة على هزيمة نتنياهو.. وينفي ادعاءاته بشأن عملية «البيجر» الأمم المتحدة ترصد غارات وقصفاً مكثفاً بجميع محافظات غزة وتطالب إسرائيل بوقف التضييق بالضفة باحث إسرائيلي: نتنياهو يصوغ «حقيقة بديلة» لهروب قيادته من مسؤولية إخفاق 7 أكتوبر السيسي يرد على سموتريتش برسالة إلى تل أبيب..ويؤكد موقف مصر مع فلسطين زيلنسكي: أشعر بالخيانة من قبل ترامب وهو لا يقف في الجانب الصحيح من التاريخ النقابة: جيش الاحتلال يشن حربا واسعة ضد الصحفيين الفلسطينيين لحجب جرائمها استطلاع عبري: قفزة في القوائم العربية وتقارب كبير بين المعارضة الصهيونية والتحالف الحاكم عشرات آلاف يتظاهرون في كولومبيا ضدّ الرئيس الجديد احتجاجا على سياستة الاجتماعية بيلاي: عقوبات ترامب على الجنائية الدولية غير قانونية..ربما رد فعل على خسارته نوبل أوباما: حكومة نتنياهو فقدت المبادئ الأخلاقية بتجاهلها حقوق الشعب الفلسطيني مصر تذكر ترامب بالتزامات خطة غزة بعد مرور عام على توقيع شرم الشيخ «أفريقيا كجبهة جديدة لحروب الشرق الأوسط»: ممر البحر الأحمر وأنماط الفوضى الجيوسياسية العالمية تقرير: كيف أعادت سلسلة الحسابات الخاطئة إشعال حرب السعودية في اليمن؟ الصراعات الإقليمية وتعطل الممرات البحرية يجبران الاقتصاد العالمي على الاعتراف بـ «سطوة الجغرافيا»

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط