مجلس السلام تحول إلى مجلس لديمومة احتلال قطاع غزة..بدلا من العمل نحو تعافي قطاع غزة المبكر

تم الإجهاز على التعليم.. حين يتحول «التعليم المسرّع» إلى مشروع لتجهيل الجيل

تم الإجهاز على التعليم.. حين يتحول «التعليم المسرّع» إلى مشروع لتجهيل الجيل

تاريخ النشر: 2026-09-04 | 14:51

عماد وليد كباجة
عماد وليد كباجة

لم يعد مقبولًا أن نتعامل مع ما يجري في قطاع التعليم باعتباره مجرد استجابة مؤقتة لظروف الحرب والدمار والنزوح. ما يحدث اليوم أخطر من ذلك بكثير؛ فنحن أمام اختزال ممنهج للعملية التعليمية، وتراجع خطير في بناء الإنسان، وتفريغ للمدرسة من رسالتها الوطنية والتربوية والثقافية.
تحت مسمى «التعليم المسرّع»، والمدعوم من جهات دولية بينها اليونيسف، يجري تقديم نموذج تعليمي لثلاثة أعوام يقوم على تقليص المحتوى والمواد، بحيث يجد الطالب نفسه يدور في الدائرة ذاتها بدل أن ينتقل بصورة طبيعية ومتدرجة من مرحلة معرفية إلى أخرى.
والمفارقة المؤلمة أن بعض المسؤولين عن التعليم يتعاملون مع هذا الواقع وكأنه أمر لا يمكن مناقشته، بحجة أن التمويل موجود.
وهنا يجب أن نطرح السؤال الذي لا يجوز الهروب منه:
هل أصبح المال أهم من التعليم؟ وهل يجوز أن نقبل أي نموذج تعليمي لمجرد أنه ممول؟
وفق هذا النموذج، ينحصر التعليم بصورة أساسية في عدد محدود من المواد، بينما تغيب اللغة الإنجليزية عن الصفوف من الأول حتى الرابع، وتتراجع العلوم إلى حصة أو حصتين أسبوعيًا، ليصبح معظم البناء المعرفي للطفل محصورًا في اللغة العربية والرياضيات.
لا أحد يقلل من أهمية العربية والرياضيات، لكن التعليم ليس قراءة وكتابة وحسابًا فقط.
أين العلوم؟ أين اللغة الإنجليزية؟ أين التربية الإسلامية؟ أين الثقافة؟ أين التفكير النقدي؟ أين التاريخ؟ أين بناء شخصية الطالب؟ أين الهوية الوطنية؟
إن أخطر ما يمكن أن نفعله بجيل خرج من حرب مدمرة هو أن نحرمه، فوق كل ما عاناه، من حقه في تعليم متكامل.
والأخطر من ذلك أن تتحول المدرسة إلى مؤسسة تخشى الممول أكثر مما تخشى ضياع الطالب.
فإذا كانت مدرسة تقيم فعالية وطنية بمناسبة يوم الأسير أو يوم الأرض أو ذكرى النكبة يمكن أن تواجه تهديدًا بسحب الاعتراف أو تجميد التمويل أو المساءلة، فإننا أمام قضية تتجاوز حدود المدرسة لتصبح قضية سيادة تربوية وهوية وطنية.
لا يمكن أن تكون المساعدات الإنسانية ثمنًا للتنازل عن الذاكرة الوطنية.
ولا يمكن أن يصبح التمويل الخارجي بوابة لإعادة تشكيل وعي أبنائنا وفق أولويات لا تنسجم بالضرورة مع احتياجات مجتمعنا وهويتنا.
ونحن هنا لا نتحدث عن رفض المساعدة الدولية، بل عن قاعدة بسيطة يجب أن تكون واضحة: الممول يمول، لكنه لا يملك حق مصادرة القرار التربوي أو إعادة تعريف هوية المجتمع.
إن المدرسة الفلسطينية ليست مجرد مكان يجلس فيه الطالب ليتعلم القراءة والحساب. المدرسة مساحة لبناء الإنسان، وحماية الذاكرة، وترسيخ القيم، وإعداد جيل قادر على التفكير والمعرفة والانتماء.
أما أن نقول إن «الممول يريد ذلك»، ثم نستسلم للأمر وكأنه قدر لا يمكن تغييره، فهذه ليست إدارة أزمة، بل هروب من المسؤولية.
وإذا كان هناك من يعتقد أن بالإمكان معالجة هذه الاختلالات داخليًا بين المعلمين والمدارس، فعليه أن ينظر أولًا إلى واقع المعلم نفسه.
جداول المعلمين مكتظة إلى آخرها، والحصص متلاحقة، والأعباء تفوق قدرة الإنسان على الاحتمال؛ حتى إن المعلم قد لا يجد خلال يومه الدراسي متسعًا لقضاء حاجته، فكيف نطالبه فوق ذلك بإعادة بناء منظومة تعليمية كاملة على كتفيه؟
المعلم ليس شماعة لتعليق أخطاء السياسات التعليمية.
المسؤولية تبدأ من أصحاب القرار.
وعندما تكون الموارد محدودة، فإن الأولوية لا تكون بإلغاء العلوم أو اللغة الإنجليزية أو التربية الإسلامية أو تقليص المعرفة إلى الحد الأدنى، وإنما بوضع خطة وطنية واضحة تضمن الحد الأدنى من التعليم المتكامل، وتمنع تحول الأزمة المؤقتة إلى فجوة تعليمية تمتد لسنوات وربما لجيل كامل.
علينا أن نتوقف عن التعامل مع الأطفال باعتبارهم أرقامًا في مشاريع المانحين.
هذا جيل دفع ثمنًا هائلًا من الحرب؛ فقد بيته، ومدرسته، وأمانه، وطفولته. وليس من العدل أن ندفعه الآن إلى ثمن آخر اسمه التعليم الناقص.
إن استمرار هذا النهج لثلاثة أعوام دون مراجعة وطنية جادة يعني أننا قد نكتشف بعد سنوات أن المشكلة لم تكن فقط في أن مدارسنا دمرت، بل أن محتوى التعليم نفسه قد أُفرغ من مضمونه.
وهنا تكمن الكارثة الحقيقية.
لأن إعادة بناء جدران المدرسة ممكنة، وإعادة تأهيل المقاعد ممكنة، وإعادة بناء الخيام ممكنة، لكن إعادة بناء عقل أُهدر ثلاث سنوات من عمره التعليمي ليست مهمة سهلة.
لذلك فإن الوقوف الجاد أمام هذه القضية ليس ترفًا ولا معركة جانبية، بل مسؤولية وطنية وواجب ديني وأخلاقي وتربوي.
المطلوب ليس رفض الممول، وإنما رفض أن يتحول التمويل إلى وصاية.
والمطلوب ليس تعطيل التعليم، وإنما إنقاذ التعليم من الاختزال.
والمطلوب ليس الدخول في مواجهة مع المؤسسات الدولية، وإنما مطالبتها بأن يكون دعمها متوافقًا مع حق الطفل الفلسطيني في تعليم كامل وعادل يحفظ هويته ويبني مستقبله.
أما الصمت، والاستسلام للأمر الواقع، وترتيب الأولويات حول استمرار التمويل والمصالح المالية، بينما يُترك الطالب يدور في دائرة تعليمية مغلقة، فذلك أمر لا يمكن تبريره.
فالمال يمكن تعويضه، والمشاريع يمكن استبدالها، والتمويل يمكن أن يتوقف ويعود؛ أما سنوات الطفل التعليمية إذا ضاعت فلن تعود.
ومن هنا، فإن السؤال الذي يجب أن يواجهه كل مسؤول اليوم ليس:
«ماذا يريد الممول؟»
بل:
«ماذا يحتاج الطالب الفلسطيني؟ وماذا يفرض علينا واجبنا تجاه مستقبله؟»
فإذا عجزنا عن الإجابة عن هذا السؤال، فنحن لا نحمي التعليم، بل نشارك ــ بصمتنا ــ في الإجهاز عليه.
إن أخطر غزو يمكن أن يتعرض له شعب ليس غزو الأرض وحدها، بل غزو الوعي. وأخطر هزيمة ليست أن تهدم المدرسة، بل أن نُبقي المدرسة قائمة ونُفرغ التعليم الذي بداخلها من مضمونه.
وهنا تبدأ مسؤوليتنا جميعًا.

×
أخبار
دبلوماسيان أمريكيان يحذران: تراجع الدعم الأمريكي لإسرائيل يهدد مكانتها الاستراتيجية ووجودها باهتة وغير حاسمة.. خبير بريطاني يحلل أسباب تعثر القوة الجوية الأمريكية والإسرائيلية ضد إيران "خسائر بمئات المليارات": تحولات ديموغرافية تهدد الاقتصاد الإسرائيلي ليبرمان يرفض دعم حكومة أقلية ويتعهد بائتلاف "صهيوني حصراً" استهداف قصر معاشيق الرئاسي في عدن بـ 4 صواريخ باليستية وتصاعد كثيف للدخان نتنياهو: أمليت موقفي على الشرع في مكالمة قصيرة وواضحة لوقف استهداف الدروز في خطوة تاريخية.. رابطة أمريكية للعلوم السياسية تصويت بالأغلبية لصالح المقاطعة الأكاديمية لإسرائيل مجلس السلام يعلن استكمال آليات الرقابة والمعايير المالية لتنفيذ خطة غزة السيسي: أمن السعودية ودول الخليج خط أحمر واستقرار غزة والسودان وليبيا من مقتضيات الأمن القومي العربي شبكة إعلانات إسرائيلية تتجسس على ملايين المستخدمين والمؤسسات الدولية لصالح شركات اختراق وتجسس تقرير حقوقي يكشف شهادات حول إطلاق حراس سجون الاحتلال النار على الأسرى الفلسطينيين داخل الزنازين نتنياهو يعلن إنشاء جدار أمني ضخم على الحدود الشرقية من اليرموك إلى إيلات ملادينوف يعلن تعليق تنسيق البضائع للقطاع الخاص بغزة ويدعو للإسراع بانتشار القوة الدولية الاتحاد الأوروبي ودول الخليج اتفقوا على تأجيل القمة المقرة بينهما في الرياض باكو: وفود عربية بيها فلسطين وتركيا وباكستان تغادر قاعة المؤتمر خلال كلمة هرتسوغ صندوق النقد الدولي يحذر من طول أمد الحرب والاضطرابات المتجددة كأكبر تهديد للشرق الأوسط الصحة: ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,396 شهيدا آيزنكوت يتعهّد بهزيمة "حماس" خلال 18 شهراً بعد قضية المسبحة.."استقالة" وزير الأوقاف الفلسطيني نتنياهو وسموتريتش يعتزمان نشر نحو ألفَي مراقب في صناديق الاقتراع بالبلدات العربية هجوم حوثي على مقر أرامكو بالظهران يدمر مكاتب الرئيس التنفيذي وكبار المسؤولين مجلس سلام ترامب لديمومة الموت في غزة! قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس: اقتحامات واعتقالات ومواجهات تحقيق جديد في الكونغرس حول تضارب مصالح كوشنر واستثماراته الإسرائيلية والخليجية سي إن إن: أمريكا تضع خططاً لاستخدام "أم القنابل" ضد إيران وثائق كتبها مساعدو نتنياهو تكشف مسؤوليته عن إخفاق 7 أكتوبر وتناقض روايته حول حماس الغارديان: إسرائيل تعرقل إنشاء قاعدة لمجلس السلام في غزة ترامب: كان ينبغي الإبقاء على قادة إيران السابقين لأنني لا أعرف مع من نتفاوض صفقة الديزل الروسي تثير الجدل.. ترامب يحمل زيلينسكي مسؤولية حرب الطاقة ويدعم موسكو تقرير: سياسات إيران ومحورها أضرت بالفلسطينيين وخدمت اليمين الإسرائيلي

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط