مجلس السلام تحول إلى مجلس لديمومة احتلال قطاع غزة..بدلا من العمل نحو تعافي قطاع غزة المبكر

تمظهرات الموت..في قصيدة الشاعر التونسي القدير جلال باباي

تمظهرات الموت..في قصيدة الشاعر التونسي القدير جلال باباي

تاريخ النشر: 2024-10-12 | 15:12

"نثار أمنيات..بعد الممات"

                   ( ابتسم..ودع الحزن لي.. )

"إذا أردتَ ألا تخشى الموت،فإنّ عليك ألاّ تكفّ عن التفكير فيه" (snénèque).

 

ذروا نوٌار الياسمين يوم رحيلي

مع أوٌل مدٌ وجزر للرياح اللواقح

كي ينبت البحر تلالا من يقطين

ونعيد سيرة النبي" يونس "ٌ ذكرى للغافلين

سيظلٌ الفجر يرمق كل قصائدي

وانحت ملحمة الخلود

بوحا لموتي قبيل يوم الدين.

انثروا فوق لحدي ما تيسٌر من نوارة اللوز

لعلٌها تمطر فاكهة ربيع في علٌيين

كوٌموا أطراف مرقدي أعشاش ماء للطيور العابرة

وانحتوا رحلتي نثار ما حبٌرته فوق بياض زهدي من دواوين

ساضرب موعدا جميلا مع الله

لأسجد في حضرة ملكوته

أنتبذ البرزخ موطنا بالقرب من الصالحين..

أتخذ من خشخشة الخطاطيف أغنية للوافدين

سلام للميٌتين .....رحمة للسابقين..ارقدوا بسلام أيها اللاحقون..

(جلال باباي أكودة/ ديسمبر 2019)

 

لقد بِتْنا اليوم معتقدين بأنّ الشعر،عموماً،هو ابن الفقدان ووريث الخسارات.لكن الموت لم يكن في تأمُله،ولا في معايشته اختباره حدوده مُجرّد بكاء وعزاء وإيحاء بغيوم الحزن التي تُلبّد سماء الكائن وتُظلّله.

إنّ الموت يتحوّل لدى الشعراء،بخلفيّاتهم الصوفية والفلسفية والوجودية المتنوِّعة،إلى ذريعةٍ قُصْوى لأَنْسنة الحياة وقد افتقدت لكثيرٍ من ملامحها وقوى تجدُّدها إن في ذاتها أو في مدى انعكاسها على مرآة النّفْس.فمثلاً،يتحوّل البكاء عند الجاهلي في وقوفه على الأطلال،وشعوره الفاجع بالغياب،إلى استحثاث الأنا بواجب الانتصـار على المـوت ومقاومته بحضور اللحظة المنتشية التي تحقّق هبة امتلائها في إثبات الفـروسية ونشدان اللـذة الحسية.ويُجسّد عذاب الحبّ ومعاناته لدى العذريين مَوْتاً،إذ أنّه يعكس رغبة الأنا في الاتصال بمحبوبها،وبما أنّها لا تتحقّق فالحياة الداخلية لكينونة الأنا تتوهّج باستمرار.

فيما بعد،يتحوّل نشدان الموت عند المعرّي إلى ضوء وشوق للخلاص من العمى وأسر المحابس بأكملها.وفي تجربة الصوفيّ يصير الموت عن طريق الانخطاف والفناء وتحييد الجسد ذريعةً يتحقق بها الالتحام بالمطلق..

تضمّنت هذه القصیدة أسئلةً وجودیّة مقلقة،علّ أبرز ما یمیّزها حالة التّبرّم المتّسمة بظاهرة الحزن،وهی ظاهرة إنسانیّة خالصة عمّقتها ظروف الحیاة المعاصرة،فباتت هاته الظّاهرة علامة فارقة للشّعر العربیّ المعاصر،وقد تعامل معها-الشاعر التونسي القدير جلال باباي- تعاملاً وجودیّاً خالصاً انطلاقاً من وعیه الشّعریّ ومن إحساسه المرهف بالوجع الإنسانیّ.

وهنا أقول : كلما امتد العمر بالشعراء اختلفت نظرتهم للحياة وللموت معا،فالزمن هو العامل الأكثر أثراً على الشعراء،والأشد وطأة على نصوصهم،إذ كلما اختُطف عامٌ من أعوامهم بدوا برثائه، وكلما انهدرت لحظاتٌ من بين أصابعهم بكوها بكاءً حاراً،فالشعراء هم الكائنات الأكثر تحسساً من الزمن،والأشد خوفاً من التوغل في العمر،فكلما توغلت سنوات الشاعر نحو الشيخوخة توغلت رؤيته نحو زمن يراوح ما بين الموت والحياة.

لقد لفت انتباهنا في قصيدة  جلال باباي "نثار أمنيات..بعد الممات" انتشار مفردة الموت بشكل لافت،وهذا قد يدل على أنه فقد لذة الحياة،وعاش حالة نفسية تختلج مشاعره،فجاءت هذه الصورة لتعبر عن الكبت والمأساة داخله،فضغوط الحياة تبعث القلق فتصيب الشاعر حالة من التأمل والحيرة من مواقف الحياة المختلفة.فرسم هذه الصورة،للتنفيس عن نفسه والتخفيف من آلامها.فجاء التعبير الواعي عن حقيقة الموت،وأنه نهاية حتمية  لهذه الحياة الفانية،فكان الموت الهاجس الباعث على توجسه من الزمان و قلقه وتركه بالتالي-وصايا-منهمرة من شقوق المرايا..

لقد انسكب الحزن فی داخل-جلال-كانسكاب السّائل فی الدّورق الشّفیف،فحینما نقرأ -هذه القصيدة الموغلة في الوَجَع-نبصر هذا الحزن فی داخلها المرسوم عبر الكلمات،وكأنّنا أمام مواجهة بین الذّات والموضوع،بل أمام تفاعل خلاّق،تفاعُل تبادل فیه الطّرفان الأدوار،حیث یجسّد الحزن فی هاته الحالة نوعاً من مواجهة الذّات،وهو فی الآن ذاته موقف شعریّ من الوجود والموجودات،یُفعّل عندما تبدو حدّة المفارقات بین ما تتغیّا الذّات وما تصل إلیه.

نؤکد انّ هذا الحزن يموج في-بعض قصائد جلال باباي -سيما بعد إصابته بمرض عضال نتمنى له الشفاء العاجل) لهذا أكاد أجرؤ على تسمية -هذا الشاعر الذي نالت منه المواجع في نخاع العظم (جلال باباي) بشاعر الحزن والالم وكذا التحدي ..

قال الشاعر اللاتيني هوراس في القرن الأول قبل الميلاد إنه بنى بشعره صرحاً أبقى على الزمن من الرخام.ومنذ ذلك الحين والشعراء يحاولون أن يجعلوا شعرهم محصناً ضد الزمن.إنهم يسعون إلى «استعمار» الأجيال المقبلة،وذلك إذ يتحدثون (عبر ما سماه الشاعر فيليب لاركن «طول الزمن وعرضه») إلى مَن لم يُولدوا بعد.الشعر (إذا غيرنا الاستعارة) نسيج حي من المخ واللسان،وهو سلاحنا ضد الفناء.

والإبداعات الشعرية في تجلياته الخلاقة لدى شاعرنا-جلال باباي- سلاح..ضد المواجع والأحزان،وصرخة مربكة ومبعثرة لفصول الموت..نتذكّر فقط أنّ من أشهر القصائد التي ظل يرددها الناس وكأنها تعالج الموقف من الموت،تلك التي نظمها الشاعر الكبير الراحل سميح القاسم،التي يقول في بعضها: أنا لا أُحبُّكَ يا موتُ/ لكنّني لا أخافُكْ/ وأدركُ أنَّ سريرَكَ جسمي/ وروحي لحافُكْ/ وأدركُ أنّي تضيقُ عليَّ ضفافُكْ.

وربما حملت كلمات القاسم موقفاً واقعياً تجاه الموت،يخفف من حدته ويتعامل معه كأمر لا جدال فيه؛لكن الأمر المهم في هذه الأشعار أنها تحفل بالجماليات،وللمفارقة،حتى في ذكر الموت،فهو يصبح مثله مثل أي قضية أو مشهد أو صورة،يصاغ جمالياً،ويصبح نصاً إبداعياً،يخفف من وحشته وهيبته.وكثير من الشعراء العرب قد أفلحوا في ذلك الجانب وأسسوا لنصوص عن الموت تحفل بالجماليات وإشراقات الحياة.

ختاما أقول : إنَّ الحديث عن تعامل الشعراء ونظرتهم للموت، حديثٌ طويل ومتشعب،نابع بالأساس من ثقافة الشعراء، واعتكافهم على مشروعاتهم الشعرية،وتغلغل الحياة والموت بذواتهم الشاعرة،وهذا ما دعا شاعراً مثل"جلال باباي" أنْ يخاطبه بروح صوفية دافئة..تاركا في وجداننا ندوبا موجعة،تدفعني للقول :

ابتسم-يا جلال..ودع الحزن لي..

 

 

×
أخبار
الصحة: ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,396 شهيدا الاتحاد الأوروبي ودول الخليج اتفقوا على تأجيل القمة المقرة بينهما في الرياض باكو: وفود عربية بيها فلسطين وتركيا وباكستان تغادر قاعة المؤتمر خلال كلمة هرتسوغ صندوق النقد الدولي يحذر من طول أمد الحرب والاضطرابات المتجددة كأكبر تهديد للشرق الأوسط آيزنكوت يتعهّد بهزيمة "حماس" خلال 18 شهراً بعد قضية المسبحة.."استقالة" وزير الأوقاف الفلسطيني نتنياهو وسموتريتش يعتزمان نشر نحو ألفَي مراقب في صناديق الاقتراع بالبلدات العربية هجوم حوثي على مقر أرامكو بالظهران يدمر مكاتب الرئيس التنفيذي وكبار المسؤولين مجلس سلام ترامب لديمومة الموت في غزة! قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس: اقتحامات واعتقالات ومواجهات تحقيق جديد في الكونغرس حول تضارب مصالح كوشنر واستثماراته الإسرائيلية والخليجية سي إن إن: أمريكا تضع خططاً لاستخدام "أم القنابل" ضد إيران وثائق كتبها مساعدو نتنياهو تكشف مسؤوليته عن إخفاق 7 أكتوبر وتناقض روايته حول حماس الغارديان: إسرائيل تعرقل إنشاء قاعدة لمجلس السلام في غزة ترامب: كان ينبغي الإبقاء على قادة إيران السابقين لأنني لا أعرف مع من نتفاوض صفقة الديزل الروسي تثير الجدل.. ترامب يحمل زيلينسكي مسؤولية حرب الطاقة ويدعم موسكو تقرير: سياسات إيران ومحورها أضرت بالفلسطينيين وخدمت اليمين الإسرائيلي آيزنكوت يؤكد القدرة على هزيمة نتنياهو.. وينفي ادعاءاته بشأن عملية «البيجر» الأمم المتحدة ترصد غارات وقصفاً مكثفاً بجميع محافظات غزة وتطالب إسرائيل بوقف التضييق بالضفة باحث إسرائيلي: نتنياهو يصوغ «حقيقة بديلة» لهروب قيادته من مسؤولية إخفاق 7 أكتوبر السيسي يرد على سموتريتش برسالة إلى تل أبيب..ويؤكد موقف مصر مع فلسطين زيلنسكي: أشعر بالخيانة من قبل ترامب وهو لا يقف في الجانب الصحيح من التاريخ النقابة: جيش الاحتلال يشن حربا واسعة ضد الصحفيين الفلسطينيين لحجب جرائمها استطلاع عبري: قفزة في القوائم العربية وتقارب كبير بين المعارضة الصهيونية والتحالف الحاكم عشرات آلاف يتظاهرون في كولومبيا ضدّ الرئيس الجديد احتجاجا على سياستة الاجتماعية بيلاي: عقوبات ترامب على الجنائية الدولية غير قانونية..ربما رد فعل على خسارته نوبل أوباما: حكومة نتنياهو فقدت المبادئ الأخلاقية بتجاهلها حقوق الشعب الفلسطيني مصر تذكر ترامب بالتزامات خطة غزة بعد مرور عام على توقيع شرم الشيخ «أفريقيا كجبهة جديدة لحروب الشرق الأوسط»: ممر البحر الأحمر وأنماط الفوضى الجيوسياسية العالمية تقرير: كيف أعادت سلسلة الحسابات الخاطئة إشعال حرب السعودية في اليمن؟

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط