مجلس السلام تحول إلى مجلس لديمومة احتلال قطاع غزة..بدلا من العمل نحو تعافي قطاع غزة المبكر

تحديات البطالة في فلسطين وانعدام الأمان الوظيفي

تحديات البطالة في فلسطين وانعدام الأمان الوظيفي

تاريخ النشر: 2026-10-05 | 11:55

د. سلامه أبو زعيتر
د. سلامه أبو زعيتر

لم يعد الحديث عن البطالة في البيئة الفلسطينية عامة وفي قطاع غزة خاصة مجرد توصيف رقمي لنسب المعطلين عن العمل في التقارير الإحصائية، بل تحول إلى تشخيص قاسٍ لاقتصاديات الهشاشة التي تنتج الفقر وتدير الأزمات على حساب كرامة الإنسان؛ فالأزمات المتلاحقة منذ أعوام مروراً بجائحة كورونا وصولاً إلى الحرب الدموية والإبادة الجماعية والتدمير الممنهج للبنية الاقتصادية وتجريف المزارع والمنشآت الإنتاجية والخدماتية، قد وضعت القواعد العمالية العريضة في مواجهة فراغ هيكلي تام، متجاوزاً ذلك إلى التعطل القسري لمئات الآلاف من العمال الذين حرموا حتى من أبسط حقوق التنقل والعمل داخل الخط الأخضر عبر إلغاء التصاريح والملاحقة المنهجية، ليتفاقم المشهد بغياب أبسط مقومات الأمان الوظيفي، وتتلاشى معه شبكات الحماية الاجتماعية القانونية والمؤسسية التي تقي العمال وعائلاتهم صدمات العوز والتهميش ومواجهة المخاطر والأزمات.
إن غياب بيئة العمل المنظمة وخطط التنمية الواقعية أفرز واقعاً مشوهاً تتسع فيه رقعة ما يُعرف بالاقتصاد غير المنظم والمستتر، حيث يندفع العمال مكرهين نحو قطاعات هامشية غير محمية تفتقر للأمان الوظيفي ولشروط السلامة المهنية، وتتجاهل الحد الأدنى للأجور، وتخضع لمزاجية مشغلي سوق سوداء يتاجرون بقوت الكادحين وظروف بقائهم. وفي ظل انعدام عقود العمل الرسمية وضياع الحق في التغطية التأمينية الاجتماعية والصحية، بات العامل الفلسطيني يعيش يوميات محفوفة بالمخاطر، بلا تعويض عن الإصابة، وبلا مكافأة نهاية خدمة، وبلا حقوق تقاعدية تضمن له شيخوخة آمنة، مما يعمق شعوره بالقهر والظلم ويهدد استقرار النسيج الأسري برمته في ظل بيئة قانونية تحتاج إلى تعديلات استثنائية وتشريعات طوارئ عمالية تحمي الحقوق المكفولة ولا تتركها رهينة للظروف القاهرة.
هذه الهشاشة المتراكمة لا تمس الفرد العامل وحده، بل تمتد لتضرب في عمق الاقتصاد الكلي للمجتمع؛ فحين يفقد العامل دخله المنتظم والمستدام، تتهاوى القدرة الشرائية للأسواق وتتوقف عجلة الدورة الاقتصادية المحلية عن الدوران، وتتحول الأسر من منتجة ومساهمة إلى مستهلكة للمساعدات الإغاثية المتقطعة إن وجدت، وهي إسعافية لا تسد رمق جوعان أو حاجة إنسان، ولا يمكن توصيفها إغاثة أمام متطلبات الحياة التي تحتاج إلى دخل ثابت وعمل منتج كريم. وهذا التحول القسري يضعف الموقف التفاوضي للطبقة العاملة ويعرضها للمساومة في لقمة العيش والابتزاز السلطوي والتسلط على عجزها، ليجعلها رهينة لظروف البقاء اليومي، عاجزة عن رفع صوتها للمطالبة بحقوقها الأساسية أو الانخراط الفاعل في الدفاع عن مصالحها الاقتصادية والاجتماعية، وتشكيل قوة تأثير فعالة في ظل هذه البيئة المشوهة التي فرزت واقعاً خارجاً عن القانون ولا معيارياً، كما وصفه إميل دوركايم بحالة من "الانومي".
إن مواجهة هذا الواقع المرير تتطلب نقلة نوعية في التفكير والتدخل من كل الجهات ذات العلاقة، بعيداً عن سياسات الترقيع والحلول الإغاثية قصيرة الأجل التي تعمق التبعية وتكرس الهشاشة، وتتسبب في مزيد من عجز الإنسان واتكاليته وفقدان شهيته نحو العطاء والإنتاج، وهو ما يضعف قدراته ومهاراته وينعكس سلباً على صحته النفسية والبدنية ليضعه في كوكتيل من المشاكل والضغوط التي تطيح باستقراره وأدميته؛ لذا، فإن إنقاذ العمال الفلسطينيين يستدعي اليوم وبإلحاح بناء منظومة حماية اجتماعية شاملة وفعالة، وتفعيل التشريعات وقوانين العمل لضمان الحد الأدنى للأجور وشروط العمل اللائق، وابتكار مسارات تشغيلية تنموية تضمن دمج القوى العاملة في مشاريع إنتاجية حقيقية من خلال آليات تمويل مستدامة وصندوق طوارئ عمالي تساهم فيه الأطراف الرسمية والخاصة والدولية، مع تفعيل دور منظمة العمل الدولية والمؤسسات الحقوقية والأممية للضغط وتوثيق الانتهاكات بحق العمال وسوق العمل، ومساندة مطالب العمال ودعم حركتهم النقابية المستقلة القادرة على تبني قضاياهم والتشارك مع الأطراف لمعالجة مشاكل سوق العمل والتعاون في تخطي الأزمة بشراكة حقيقية لا تكون على حساب الأضعف وهم العمال، فإن إعادة الاعتبار للأمان الوظيفي والحماية الاجتماعية للعمال ليس ترفاً نقابياً، بل هو حجر الزاوية والضمانة الأكيدة لأي مسار جدي نحو التعافي الوطني والتنمية المستدامة، والاستعداد لمرحلة إعادة الأعمار بقوى عمالية وأياد فلسطينية قادرة على إعادة بناء ما دمر بقلوب حريصة على العمل والإنجاز.


الموافقة على شروط النشر: 1
صورة شخصية للكاتب:
ارفاق ملف:
روابط التواصل الاجتماعي:

×
أخبار
صندوق النقد الدولي يحذر من طول أمد الحرب والاضطرابات المتجددة كأكبر تهديد للشرق الأوسط آيزنكوت يتعهّد بهزيمة "حماس" خلال 18 شهراً بعد قضية المسبحة.."استقالة" وزير الأوقاف الفلسطيني نتنياهو وسموتريتش يعتزمان نشر نحو ألفَي مراقب في صناديق الاقتراع بالبلدات العربية هجوم حوثي على مقر أرامكو بالظهران يدمر مكاتب الرئيس التنفيذي وكبار المسؤولين مجلس سلام ترامب لديمومة الموت في غزة! قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس: اقتحامات واعتقالات ومواجهات تحقيق جديد في الكونغرس حول تضارب مصالح كوشنر واستثماراته الإسرائيلية والخليجية سي إن إن: أمريكا تضع خططاً لاستخدام "أم القنابل" ضد إيران وثائق كتبها مساعدو نتنياهو تكشف مسؤوليته عن إخفاق 7 أكتوبر وتناقض روايته حول حماس الغارديان: إسرائيل تعرقل إنشاء قاعدة لمجلس السلام في غزة ترامب: كان ينبغي الإبقاء على قادة إيران السابقين لأنني لا أعرف مع من نتفاوض صفقة الديزل الروسي تثير الجدل.. ترامب يحمل زيلينسكي مسؤولية حرب الطاقة ويدعم موسكو تقرير: سياسات إيران ومحورها أضرت بالفلسطينيين وخدمت اليمين الإسرائيلي آيزنكوت يؤكد القدرة على هزيمة نتنياهو.. وينفي ادعاءاته بشأن عملية «البيجر» الأمم المتحدة ترصد غارات وقصفاً مكثفاً بجميع محافظات غزة وتطالب إسرائيل بوقف التضييق بالضفة باحث إسرائيلي: نتنياهو يصوغ «حقيقة بديلة» لهروب قيادته من مسؤولية إخفاق 7 أكتوبر السيسي يرد على سموتريتش برسالة إلى تل أبيب..ويؤكد موقف مصر مع فلسطين زيلنسكي: أشعر بالخيانة من قبل ترامب وهو لا يقف في الجانب الصحيح من التاريخ النقابة: جيش الاحتلال يشن حربا واسعة ضد الصحفيين الفلسطينيين لحجب جرائمها استطلاع عبري: قفزة في القوائم العربية وتقارب كبير بين المعارضة الصهيونية والتحالف الحاكم عشرات آلاف يتظاهرون في كولومبيا ضدّ الرئيس الجديد احتجاجا على سياستة الاجتماعية بيلاي: عقوبات ترامب على الجنائية الدولية غير قانونية..ربما رد فعل على خسارته نوبل أوباما: حكومة نتنياهو فقدت المبادئ الأخلاقية بتجاهلها حقوق الشعب الفلسطيني مصر تذكر ترامب بالتزامات خطة غزة بعد مرور عام على توقيع شرم الشيخ «أفريقيا كجبهة جديدة لحروب الشرق الأوسط»: ممر البحر الأحمر وأنماط الفوضى الجيوسياسية العالمية تقرير: كيف أعادت سلسلة الحسابات الخاطئة إشعال حرب السعودية في اليمن؟ الصراعات الإقليمية وتعطل الممرات البحرية يجبران الاقتصاد العالمي على الاعتراف بـ «سطوة الجغرافيا» زامير يصادق على خطط عسكرية في الضفة: "جاهزون لعمليات هجومية واسعة" كاتس يهدد باحتلال مناطق لبنانية إضافية إذا انضم حزب الله إلى إيران في مهاجمة إسرائيل

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط