مجلس السلام تحول إلى مجلس لديمومة احتلال قطاع غزة..بدلا من العمل نحو تعافي قطاع غزة المبكر

تجليات البلاغة والسحر والبيان..في قصائد الشاعر التونسي الكبير د-طاهر مشي

تجليات  البلاغة والسحر والبيان..في قصائد الشاعر التونسي الكبير د-طاهر مشي

تاريخ النشر: 2025-12-04 | 15:37

د-طاهر مشي شاعر تونسي ألمعي صدر له أكثر من ديوان،مستفيدا من تجربته الشعرية وثقافته الغزيرة التي جعلت منه شاعرا صاحب رؤيا وموقف حداثي جدير بالتنويه..

نحن إذن أمام شاعر تمرس بالقول الشعري وعبر دواوينه الشعرية بإمكان القارئ أن يكتشف عالمه الشعري الذي لا يعول على جيشان الشعور فقط ورصف الكلمات البليغة،بقدر ما يجعل من العالم بمختلف مظاهره المادية والإنسانية مادة للتأمل في رزانة عميقة واتزان وجداني متوسلا بالدهشة والحيرة والشغف بفتنة السؤال وإثارة القلق أو الشك الذي ينير دهاليز الفكر ويضئ عتمة النفس.

كما يمتاز د-طاهر مشي بكونه ناثرا من طراز رفيع ويجلي نثره ميزتين اثنتين واجبتين في كل نثر عظيم الثقافة الرصينة،والأسلوب الآسر الذي يكمن سره في هذه الكيمياء الساحرة التي تجمع ذاته وتبصراتها بالحياة.

وهنا أقول : 

المؤلف أو الشاعر،لم يعد ميتا كما استحال في سبعينيات القرن الماضي،ولم يعد إلى أدراجه القديمة منعزلا عن نصه،بل هو الصوت الآخر الذي يدفع القارئ إلى البحث عن مزيد من التفاصيل واقتناص الإحداثيات السردية أو الشعرية بمعاونة الكاتب نفسه..

هذا الشاعر التونسي الكبير د-طاهر مشي كتب نصوصا بجمالية فنية وأسلوبية ذات بصمة مميزة،كنتاج لخبرة وتعمق واهتمام بالجوانب الفنية للغة ولحالات التمظهر فيها وإلماما بالقوالب والأنواع.

وإذن؟

هو إذا،(الشاعر التونسي السامق د-طاهر مشي) شاعر ذو لونِ مميز،جمع بين حروف كلماته قطوفاً من الرومانسية والرقة والحلم والدفء والجرأة،استطاع عبر قصائده الموغلة في الجرأة والرومانسية التعبير عن المرأة و مشاعرها  وأحلامها و أفكارها بمقدرة فريدة دون أن يهمل القضايا الوطنية المنتصرة للإنسان والإنسانية.

دعوني أقتحم حلبة الشعر للشاعر الكبير د-طاهر مشي تاركا للقراء الكرام حرية التفاعل والتعليق مع القصيدة التالية :

سيري،فما بيننا،بالنّأْيِ قد دُرِسا !*

 ما من حبيبٍ في الهَوى تَعِبٌ

والشّوقُ في الأوْصالِ قد خُرِسا

إلاّ وَ دمعُ العَيْنِ من وَصَبٍ

مِنْ وَطْأةِ الأيّامِ، قد حُبِسا

كم في الهوى تلتاعُ أفئدةٌ

والدّمعُ مِن عِشقٍ قد انبَجَسا

كمْ  من هوًى لِلرّوحِ مرجِعُهُ

والشوق يُلهِبُهُ في القلبِ قد غُرِسا

يا روحُ فيكِ الروحُ  موطنُها

والعَيْنُ ترقُبُها،بَحْراً غَدا يبَسا 

من قلبي دمعُ العشقِ أذرِفُهُ

حتى بدا في عَيْنِها قَبَسا

يا وَيْحَ قلبِيَ بالأحلامُ أرقُبُها

يا لوْعةَ المُشتاقِ كَمْ نُكِسا!

ما راعَني في البُعدِْ مَظلَمَةٌ

إلاّ حبيبٌ جفا،مِن وصْلهِ يَئِسَ

ما رُمتُ هجْرَ الخِلِّ طَوْعَ يَدي

إلاّ  لأنّ حشاشَ القلبِ قد يَبِسَ

يا مّنُ تركْتِنِي للِطوفانِ  يُغرِقُني

سيري؛ فما بيننا،بالنّأْيِ قد دُرِسا!

طاهر مشي

 

تتجلى في هذه القصيدة طاقة شعرية قادرة علي إزاحة مستويات التعبير إلي عمق دلالي رغم عمودية النص إذ تعمل عناصره علي تشكيل مشهد شعري متعدد الجوانب،برسم صور حية ونابضة للذات التي تبقي في مواجهة مُستمرة مع الفعل الإنساني الأجمل وهو الحب وعند هذا المستوي تحديدا،تصنع الشعرية موجات متتالية من الدفق الشعوري،مرتبطة بحضور الأخر دوما تخلق منه هامات ومساحات مضيئة عبر تشكيلها الشعري فيظل النص منذ عتبة العنوان يكشف طوال الوقت هذه الأعماق الدلالية ويقدم صورة شعرية بلغة مُتحررة رغم إيقاعها البطيء نسبيا،ففعل الشعر حين يكون عالما بمفردات الحضور الإنساني تتألق فى شغب وتلامس برهافة مشاعرنا تخط عليها عالمها الثرى بكون من العلامات والعلاقات التي تتحدد فيه مواقع الكلام في صورة تخيلية بين الإرسال والاستقبال..

إنها قصيد مترعة بمعاني الحب العذري الكلاسيكي،ولكنها تعبر عنها بأسلوب شعري مكثف وصور مبتكرة (كالبحر الذي يبس).تمزج بين صوتيات حزينة وإيقاع منتظم لتعبر عن حالة نفسية معقدة من الشوق الممزوج باليأس.الشاعر-هنا-لا يكرر المعاني التقليدية فحسب،بل يعيد صياغتها عبر صور درامية تعكس تصاعد الألم حتى لحظة القطيعة النهائية المقرة في المطلع والمقطع.

وقد نجحت (القصيدة) في خلق عالم عاطفي متماسك،حيث تتفاعل العناصر الصوتية والصورية والدلالية لتعطي انطباعاً قوياً عن لوعة الفراق وصراع الذات بين توهج الذكرى وبرودة الواقع.

في كتابه (الأسس الجمالية في النقد العربي) يقول د. عز الدين اسماعيل**:” اللغة في الفن غاية في ذاتها،في حين أنها في غيره وسيلة “.

ومعنى ذلك أن مهارة الفنان ( الشاعر ) في إنتاجه الفني يتوقف بالأساس على علاقته باللغة التي يستخدمها.

ونحن لن نعكف على إحصاء الخصائص اللغوية التي يتميز بها الأسلوب عند شاعرنا د. طاهر مشي.ﻷن هذه قراءة جمالية متعجلة اختيرت في الأصل لهدف محدد،وهو التركيز على استقراء اللغة التعبيرية التي يستخدمها الشاعر للتعبير عما يعتمل في وجدانه من صور ابداعية على غاية من الإشراق والتجلي.

غير أن القراءة الجمالية في شعر د.طاهر مشي لا يمكن لها إلا أن تمر بأسلوبه اللغوي الذي بات معروفا به ومميزا له لشدة تعلقه بفنون البلاغة والبيان،بحيث أنه لا يقدم تركيبا لغويا إلا بتلغيمه بإحتمالات متعددة للمعنى.واحتمالات متعددة لتفسير الصورة الفنية نفسها.

لذا فإن المعجم الشعري الخاص بشاعرنا قد بلغ حدا من الدقة في اختبار الألفاظ فرض على المتلقي المتذوق حاجة ماسة للتأمل.

وإذن؟

إذا،نحن أمام مفردات لينة طرية تشبه عجينة الصلصال يضعها الشاعر(د-طاهر مشي) في يد المتلقي لتتحول تحولا سحريا إلى الصورة التي يتوقعها والتي تلائم تطلعات ذائقته الشخصية.

وبهذا نعود إلى أهم مبادئ التشكيل الجمالي للصورة الفنية في الشعر وهو اختيار المفردات التي تسبب إدراكا حسيا مبهما أو غامضا بعض الشيء عند المتلقي.بسبب هذه التعددية في احتمالات معنى اللفظ الواحد.

مناجاة الله في قصيدة”مناجاة” :

الدعاء هو العبادة،وهو لحظة صدق لا يشوبها الكذب،حينها يدرك العبد حقيقة فقره إلى ملك الملوك،ويرى تلك الحقيقة مشرقةً أمام عينيه،كأنه لم يعرفها من قبل،أو حالت بينه وبينها فتن الدنيا وزخارفها البالية،فتفيض دموعه لتمحو آثار غفلته،وتنساب على لسانه كلمات تطرب لها الأسماع،وترقص لها القلوب،فكيف إذا انتظمت هذه الكلمات على أوزان الشعر وقوافيه كما هو الحال في قصيدة د-طاهر مشي التي أشرنا إليها..؟!

ربي الهي يا حبيبي المنعم

ها قد شكوت الداء بات محجمي

كل الأيادي في رجاك أكفها

تدعوك حمدا يا حفيظا مقدمي..-

تتجلى براعة النص في تحويل الشكوى من مجرد بث للهم إلى فعل عبادة،حيث يصير التضرع شكلاً من أشكال الحمد،والحمد سبباً للدعاء،في حلقة متصلة من العلاقة مع الله.

هذه الأبيات تمثل المناجاة الصوفية بامتياز،حيث تذوب الذات الإنسانية في حب الذات الإلهية، وتتحول المعاناة إلى وسيلة للقرب.

لم يفُتْ الشعراء العرب،خلال مسيرة الشعر العربي المجيدة،أن يُفردوا لمناجاة الله تعالى مساحات واسعة ملؤها الإبداع،يسطِّرون فيها تعلُّق أنفسهم،التي زكَّتها التقوى ورقَّقها الأدب،بالخالق الكريم سبحانه وتعالى،الذي لا يقطع التوبة عن عباده وإن ملُّوا من الاستغفار.

ولعلنا نبصر في نص”مناجاة” لشاعرنا الفذ د-طاهر مشي المناجاة التي برع في نظمها هذا الشاعر القدير سمو الأدب الذي يرتقي بالمشاعر ويسمو بها في فضاءات التبتُّل والصفاء،ويدعوها إلى توحيد الله تعالى والإخلاص في العبادة وتجنُّب المعاصي والآثام،وهي أهداف نبيلة جاء بها الشرع،وأُسِّس عليها الشعر،لولا ما اعترى بعض الشعراء من نزعات وشطحات حادت بهم عن المعنى الحقيقي للأدب

تجليات الإنزياح في قصائد الشاعر التونسي الكبير د-طاهر مشي :

إن جمالية اللغة تتحقق من خلال انزياحها عن معايير اللغة العادية،واستغلال كل طاقاتها المعجمية والصوتية والتركيبية والدلالية.فالانزياح هو”انحراف الشعر عن قواعد قانون الكلام،أو اختراق ضوابط المعيار أو المقياس،وهو ظاهرة أسلوبية تظهر عبقرية،حين تسمح بالابتعاد عن الاستعمال المألوف،فتوقع في نظام اللغة اضطرابا،يصبح هو نفسه انتظاماً جديداً،ذلك أن الإنزياح إذا كان خطأ في الأصل،فإنه خطأ يمكن إصلاحه بتأويله”.

وهذا يفيد بأن للإنزياح دورا جماليا كبيرا باعتباره يقوم على وجود علاقات توتر وتنافر بين متغيرين أو أكثر،وخاصة على المستوى الدلالي أو التركيبي.

وهذه الوضعية تحتاج إلى تدخل من المتلقي في إطار عملية التأويل التي تعيد للخطاب انسجامه وتوازنه.

وهو بمعنى آخر خرق منظم لشفرة اللغة،ويعتبر في حقيقة الأمر الوجه المعكوس لعملية أساسية أخرى،إذ أن الشعر لا يدمر اللغة العادية إلا لكي يعيد بناءها على مستوى أعلى،فعقب فك البنية الذي يقوم به الشكل البلاغي،تحدث عملية إعادة بنية أخرى في نظام جديد. ‏

والشاعر التونسي الكبير د-طاهر مشي استخدم هذه الظاهرة الأسلوبية بغزارة وبشكل ملفت للنظر حتى أصبحت واحدة من أهم السمات الفنية التي تميز تجربته الشعرية.

ما قبل الخاتمة :

إن الفكرة لدى كاتب الشعر لا توجه لغة الخارج،فالشاعر نفسه شبيه بلغة جديدة تبني نفسها،وتبتكر لِنفسها وسائل تعبيرية وتتنوع حسب معناها الخاص.هنا ما نسمّيه شعراً ليس سوى فرع من الادب الذي تتأكد فيه الاستقلالية في أبهى صورها.فالكثير من المتذوقين للشعر الحديث لا يعتبرون القصيدة شعراً ما لم يكن بها أنين وحكمة أو استغاثة،لذلك واحد من أصعب الأمور في كتابة الشعر هو أن يعرف المرء ما هو موضوعه ؟!. 

إن جلّ الناس يعرفون ولا يكتبون الشعر لأنهم واعون جداً للفكرة..وبعبارة أخرى أكثر تحديداً وسيولة،إن القصيدة هي التي تخبر الشاعر د-طاهر مشي بم يفكر..وليس العكس !.

على سبيل الخاتمة:

قام الشعراء العرب على غرار السياب،عبدالوهاب البياتي،نازك الملائكة وغيرهم..بتجديد قصيدة الشعر الحر وغيرت المناخ العام للقصيدة العربية التقليدية من أجل تقديم مواضيع الإنسان المعاصر وهمومه بحرية أكثر وبانفتاح أكثر على عالم المعرفة..

وهذا ما يؤسس له الشاعر التونسي الكبير د-طاهر مشي،داعيا القارئات الفضليات والقراء الأفاضل الإطلاع على نصوصه وتجربته الشعرية الرائدة،ومن ثم نفتح باب النقاش الحضاري للوصول إلى فهم إنساني عميق لكتابة النص الشعري والأدبي العميق،إيمانا منا بدور الآدب في النهوض بالعالم الروحي للشعوب. 

ولنا عودة إلى مشهده الشعري عبر مقاربات مستفيضة..

 

 

×
أخبار
دبلوماسيان أمريكيان يحذران: تراجع الدعم الأمريكي لإسرائيل يهدد مكانتها الاستراتيجية ووجودها باهتة وغير حاسمة.. خبير بريطاني يحلل أسباب تعثر القوة الجوية الأمريكية والإسرائيلية ضد إيران "خسائر بمئات المليارات": تحولات ديموغرافية تهدد الاقتصاد الإسرائيلي ليبرمان يرفض دعم حكومة أقلية ويتعهد بائتلاف "صهيوني حصراً" استهداف قصر معاشيق الرئاسي في عدن بـ 4 صواريخ باليستية وتصاعد كثيف للدخان نتنياهو: أمليت موقفي على الشرع في مكالمة قصيرة وواضحة لوقف استهداف الدروز في خطوة تاريخية.. رابطة أمريكية للعلوم السياسية تصويت بالأغلبية لصالح المقاطعة الأكاديمية لإسرائيل مجلس السلام يعلن استكمال آليات الرقابة والمعايير المالية لتنفيذ خطة غزة السيسي: أمن السعودية ودول الخليج خط أحمر واستقرار غزة والسودان وليبيا من مقتضيات الأمن القومي العربي شبكة إعلانات إسرائيلية تتجسس على ملايين المستخدمين والمؤسسات الدولية لصالح شركات اختراق وتجسس تقرير حقوقي يكشف شهادات حول إطلاق حراس سجون الاحتلال النار على الأسرى الفلسطينيين داخل الزنازين نتنياهو يعلن إنشاء جدار أمني ضخم على الحدود الشرقية من اليرموك إلى إيلات ملادينوف يعلن تعليق تنسيق البضائع للقطاع الخاص بغزة ويدعو للإسراع بانتشار القوة الدولية الاتحاد الأوروبي ودول الخليج اتفقوا على تأجيل القمة المقرة بينهما في الرياض باكو: وفود عربية بيها فلسطين وتركيا وباكستان تغادر قاعة المؤتمر خلال كلمة هرتسوغ صندوق النقد الدولي يحذر من طول أمد الحرب والاضطرابات المتجددة كأكبر تهديد للشرق الأوسط الصحة: ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,396 شهيدا آيزنكوت يتعهّد بهزيمة "حماس" خلال 18 شهراً بعد قضية المسبحة.."استقالة" وزير الأوقاف الفلسطيني نتنياهو وسموتريتش يعتزمان نشر نحو ألفَي مراقب في صناديق الاقتراع بالبلدات العربية هجوم حوثي على مقر أرامكو بالظهران يدمر مكاتب الرئيس التنفيذي وكبار المسؤولين مجلس سلام ترامب لديمومة الموت في غزة! قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس: اقتحامات واعتقالات ومواجهات تحقيق جديد في الكونغرس حول تضارب مصالح كوشنر واستثماراته الإسرائيلية والخليجية سي إن إن: أمريكا تضع خططاً لاستخدام "أم القنابل" ضد إيران وثائق كتبها مساعدو نتنياهو تكشف مسؤوليته عن إخفاق 7 أكتوبر وتناقض روايته حول حماس الغارديان: إسرائيل تعرقل إنشاء قاعدة لمجلس السلام في غزة ترامب: كان ينبغي الإبقاء على قادة إيران السابقين لأنني لا أعرف مع من نتفاوض صفقة الديزل الروسي تثير الجدل.. ترامب يحمل زيلينسكي مسؤولية حرب الطاقة ويدعم موسكو تقرير: سياسات إيران ومحورها أضرت بالفلسطينيين وخدمت اليمين الإسرائيلي

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط