مجلس السلام تحول إلى مجلس لديمومة احتلال قطاع غزة..بدلا من العمل نحو تعافي قطاع غزة المبكر

اليسار الفلسطيني: من إرث التحرر إلى مظلّة  الانقسام

اليسار الفلسطيني: من إرث التحرر إلى مظلّة  الانقسام

تاريخ النشر: 2026-09-20 | 14:20

عائد زقوت
عائد زقوت

مذ عرف الناس المبادئ البلشفية التي حملتها الثورة مطلع القرن العشرين، وما مثّلته حينها من مصدر إلهام لمعظم الحركات، ونموذجًا أشعل الثورة في كثير من الشعوب، ظلّت تلك الأفكار، بما حملته من دعوة إلى التغيير والانعتاق، حاضرة في وجدان حركات التحرر. وكأيّ مشروع فكري قابل للتكيّف تحت سقف الواقعية أو الانتهازية، أخذت تلك الأفكار بالتراجع، ولا سيّما في المنطقة العربية، حيث تحوّل بعضها تدريجيًا من مشروع للتغيير إلى مظلة سياسية لجماعات وتيارات مختلفة، دينية وغير دينية.

ورغم أنّ انهيار الاتحاد السوفيتي شكّل ذروة هذا التراجع، فإنه لم يكن نهاية للمبادئ التي حملتها تلك التجربة؛ فقد بقيت حاضرة، بدرجات متفاوتة، في كثير من مناطق انتشارها السابقة، واستمرت قوى اليسار في الاحتفاظ بموقعها بوصفها حاملة لمشروع التغيير والعدالة والتحرر.

غير أنّ اليسار الفلسطيني، وفي مقدمته الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، بوصفها إحدى أبرز مكوناته وأكثرها حضورًا وتأثيرًا، قد انحرف عن إرثه التحرري، وانحرفت بوصلته مائة وثمانين درجة؛ إلى الحد الذي بات يصعب معه على العامة التفريق بين خطابها السياسي وخطاب بعض تيارات الإسلام السياسي، تنظيرًا وموقفًا وممارسةً سياسية. ولا يعني ذلك تبرئة بقية الفصائل اليسارية من مسؤولياتها، بقدر ما يعني أنّ نقد هذا المسار يبدأ من القوة الأبرز فيه، بحكم حضورها السياسي وموقعها في شبكة التحالفات الفلسطينية والإقليمية.

ولم يكن هذا الانحراف وليد لحظة عابرة؛ فقد تراكم عبر سنوات من التقاطع السياسي مع قوى الإسلام السياسي، ومن الحضور المشترك في فضاءات وتحالفات إقليمية تختلف معها أيديولوجيًا. وقد شكّلت الجبهة الشعبية وحركة حماس مركز المشهد الفلسطيني المعارض لمسار أوسلو في دمشق؛ حيث تأسس عام 1993، "تحالف القوى الفلسطينية" بمشاركة الجبهة الشعبية وحماس وفصائل أخرى. 

ورغم انسحاب الجبهة الشعبية منه عام 1998، إلا أنّ هذا التواجد المشترك لم يكن عابرًا؛ فقد شكل إحدى محطات التقاطع السياسي بين الطرفين؛ كما جمعتهما، في مراحل مختلفة، علاقات وتقاطعات سياسية، بما جعل التقاطع بين الجبهة وبعض حلفائها في الإسلام السياسي كبيرًا، في الخطاب والممارسة السياسية.

لم يشكل الانسحاب من الأطر التي جمعت القوى المعارضة لأوسلو قطيعة مع مسار التقاطع السياسي؛ فقد انتقل هذا التقاطع، تدريجيًا، إلى أشكال أخرى من التنسيق والمواجهة. وبرز ذلك في مساحات العمل المقاوم المشترك، وصولًا إلى مشاركة الجبهة الشعبية، إلى جانب حماس، في غرفة العمليات المشتركة. 

وهكذا لم يعد الأمر مجرد تحالف عابر فرضته معارضة أوسلو، بل مسارًا تراكميًا أعاد تشكيل موقع الجبهة داخل شبكة التحالفات الفلسطينية والإقليمية، ومع مرور الوقت، أخذت المسافة تضيق، بين اختلافها الأيديولوجي وتقاطعها السياسي مع قوى الإسلام السياسي.

ومع التحوّلات الإقليمية التي أعقبت عام 2011، اتسعت دوائر تقاطع الجبهة الشعبية مع قوى الإسلام السياسي والمحاور الإقليمية، ولا سيّما إيران وسوريا؛ فيما تمثل علاقات الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين–القيادة العامة بسوريا وإيران، ومشاركتها إلى جانب النظام السوري في الحرب، مثالًا أكثر وضوحًا على هذا المسار.

ولا تكمن المسألة في تطابق التجارب أو المواقف، ولا في مساواة الجبهة الشعبية بالقيادة العامة، وإنما في دلالة المسار نفسه، إذ ينشأ سؤلًا محوريًا كيف انتقلت قوى نشأت أصلًا بوصفها حاملة لمشروع تحرري وطني ويساري، تدريجيًا، إلى مواقع جعلت التقاطع مع القوى والمحاور الإقليمية المؤدلجة دينيًا جزءًا أصيلًا من حساباتها السياسية، على حساب المسافة النقدية والاستقلالية التي يفترض أن تميز مشروعها.

فقد أفضى ذلك المسار، في محصلته، إلى تجريف الكيانية السياسية، وتصحّر الانتماء الوطني، إلى أن أصبحت الهجرة هدفًا تُدفع لأجله الأموال، ولا يزال الخطاب الأجوف عن الشراكة هو الاسم التجميلي، وورقة التوت التي تستتر خلفها الانتهازية السياسية.

ولا نريد، مع ذلك، العودة إلى التاريخ والوقوف أمام محطات اصطفاف اليسار إلى الجانب المعارض غالبًا لمسار الحركة الوطنية، أو الاحتجاج بتحالفات اليسار مع التيارات المؤدلجة في معظم البلدان العربية؛ فالمقصود هنا ليس فتح سجل تاريخي كامل، وإنما مساءلة المسار السياسي الذي انتهى إليه اليسار الفلسطيني.

عشرون عامًا، منذ الانتخابات التشريعية عام 2006، واليسار، وفي مقدمته الجبهة الشعبية، يوفر مظلة سياسية لحركة حماس ذات الأجندة الإخوانية، تحت شعار الشراكة والإصلاح. وقد دخلت الجبهة الشعبية، عقب فوز حماس، في مشاورات للمشاركة في الحكومة التي كانت الحركة بصدد تشكيلها، وأبدت لاحقًا موافقة مبدئية على المشاركة فيها.

الشراكة الحقيقية تعني أن تتخلى تلك الفصائل عن حالة الاستلاب الجمعي للشعب، عبر شعارات شعبوية؛ فالخطر لا يكمن في أن تختلف الفصائل على شكل النظام السياسي المقبل؛ بل في أن تتفق، مرة أخرى، على الانفراد بتحديد شكل النظام ومستقبله، بعيدًا عن إرادة الشعب الفلسطيني، صاحب الحق الأصيل في تقرير مصيره.

كيف يستقيم أن تستمر فصائل اليسار في أداء الدور نفسه، بعد المآلات المدمرة للحرب، ليس فقط على الصعيد السياسي، بل وعلى قدرة الشعب على الصمود على أرضه، بعد أن وفّرت مظلة سياسية للانقسام طوال عشرين عامًا؟ وليس ذلك فحسب، بل تجاوز الأمر إلى طرح مبادرات للخروج من الحالة الفلسطينية الكأداء، كأنها إبراء ذمة وغسل أيديها من المسؤولية السياسية، وكأنهم وِلْدان مخلدون، صفتهم الطُّهر والنقاء، ضاربين عرض الحائط بالدعوات الخجولة إلى تقديم الاعتذار للشعب الفلسطيني.

ألم يَأْنِ الأوان لليسار، وفي مقدمته الجبهة الشعبية، أن يُصحّح مساره، ويعود إلى ممارسة دوره التاريخي، كرُمّانةِ ميزانٍ للحركة الوطنية؛ فيعيد التوازن، ويضبط الاختلال، ويمنع انحرافها نحو أحد طرفيها؟

وإذا كان هناك رجل رشيد بين هؤلاء وأولئك، أو لا يزال البعض يؤمن بأنّ الشعب هو الحصانة الحقيقية، وأنّ صموده هو الحاضن الحقيقي لطموحه في التحرر والانعتاق من الاحتلال، فلا يمكن أن تنجو القافلة دون مراجعة حقيقية. 

وأُولى خطواتها أن تتنحى الهيئات القيادية الحالية لتلك الفصائل، وتنزوي عن الخارطة السياسية، وتفتح الطريق أمام الأجيال للانعتاق من القبضة القيادية الحديدية التي ألجمت الفكر قبل اللسان؛ وأن تكف عن ازدواجية الخطاب، ودبلوماسية المواقف الآنية؛ وأن ترفع الغطاء الوطني عن الانقسام، وتكشف ما يدور في أروقة المفاوضات حول غزة؛ وأن تتوقف عن طرح المبادرات والأفكار التي ترمي إلى إعادة توزيع مواقع القوى داخل النظام المنشود، والحفاظ على المكتسبات السياسية والاجتماعية والاقتصادية.

الفارق كبير بين الدعوة إلى الشراكة والإصلاح على قاعدة الاعتذار والتنحي، وبين الدعوة إليهما من منطلق قداسة الأشخاص والرؤى؛ فالأُولى لبنة من لبنات البناء، والأخرى استمرار في الغي والتيه في أرض مَحْل.

إذا كان هذا هو الحد الأدنى المطلوب ممن برّر وساند، فما بالنا بمن خرق السفينة وأغرق أهلها؟ فمن خرق السفينة، أو ساند وبرّر خرقها، لا يستطيع رتقها.

وكما يقول العارفون: الإقرار بالخطأ أول الصواب، ثم البناء عليه. وهذا هو مفتاح الطريق لإعادة الاعتبار للشعب، وإعادة تأهيل النظام السياسي وبنائه؛ وخيرُ الكَلام ما يُضَمِّدُ الكِلام، ولم يُحْتَجْ بعده إلى الكَلام.

×
أخبار
صندوق النقد الدولي يحذر من طول أمد الحرب والاضطرابات المتجددة كأكبر تهديد للشرق الأوسط آيزنكوت يتعهّد بهزيمة "حماس" خلال 18 شهراً بعد قضية المسبحة.."استقالة" وزير الأوقاف الفلسطيني نتنياهو وسموتريتش يعتزمان نشر نحو ألفَي مراقب في صناديق الاقتراع بالبلدات العربية هجوم حوثي على مقر أرامكو بالظهران يدمر مكاتب الرئيس التنفيذي وكبار المسؤولين مجلس سلام ترامب لديمومة الموت في غزة! قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس: اقتحامات واعتقالات ومواجهات تحقيق جديد في الكونغرس حول تضارب مصالح كوشنر واستثماراته الإسرائيلية والخليجية سي إن إن: أمريكا تضع خططاً لاستخدام "أم القنابل" ضد إيران وثائق كتبها مساعدو نتنياهو تكشف مسؤوليته عن إخفاق 7 أكتوبر وتناقض روايته حول حماس الغارديان: إسرائيل تعرقل إنشاء قاعدة لمجلس السلام في غزة ترامب: كان ينبغي الإبقاء على قادة إيران السابقين لأنني لا أعرف مع من نتفاوض صفقة الديزل الروسي تثير الجدل.. ترامب يحمل زيلينسكي مسؤولية حرب الطاقة ويدعم موسكو تقرير: سياسات إيران ومحورها أضرت بالفلسطينيين وخدمت اليمين الإسرائيلي آيزنكوت يؤكد القدرة على هزيمة نتنياهو.. وينفي ادعاءاته بشأن عملية «البيجر» الأمم المتحدة ترصد غارات وقصفاً مكثفاً بجميع محافظات غزة وتطالب إسرائيل بوقف التضييق بالضفة باحث إسرائيلي: نتنياهو يصوغ «حقيقة بديلة» لهروب قيادته من مسؤولية إخفاق 7 أكتوبر السيسي يرد على سموتريتش برسالة إلى تل أبيب..ويؤكد موقف مصر مع فلسطين زيلنسكي: أشعر بالخيانة من قبل ترامب وهو لا يقف في الجانب الصحيح من التاريخ النقابة: جيش الاحتلال يشن حربا واسعة ضد الصحفيين الفلسطينيين لحجب جرائمها استطلاع عبري: قفزة في القوائم العربية وتقارب كبير بين المعارضة الصهيونية والتحالف الحاكم عشرات آلاف يتظاهرون في كولومبيا ضدّ الرئيس الجديد احتجاجا على سياستة الاجتماعية بيلاي: عقوبات ترامب على الجنائية الدولية غير قانونية..ربما رد فعل على خسارته نوبل أوباما: حكومة نتنياهو فقدت المبادئ الأخلاقية بتجاهلها حقوق الشعب الفلسطيني مصر تذكر ترامب بالتزامات خطة غزة بعد مرور عام على توقيع شرم الشيخ «أفريقيا كجبهة جديدة لحروب الشرق الأوسط»: ممر البحر الأحمر وأنماط الفوضى الجيوسياسية العالمية تقرير: كيف أعادت سلسلة الحسابات الخاطئة إشعال حرب السعودية في اليمن؟ الصراعات الإقليمية وتعطل الممرات البحرية يجبران الاقتصاد العالمي على الاعتراف بـ «سطوة الجغرافيا» زامير يصادق على خطط عسكرية في الضفة: "جاهزون لعمليات هجومية واسعة" كاتس يهدد باحتلال مناطق لبنانية إضافية إذا انضم حزب الله إلى إيران في مهاجمة إسرائيل

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط