"المقترح البوتيني" لا يمثل خيارا مرحبا به لرئيس حكومة دولة الفاشية اليهودية نتنياهو، فذلك لن يؤدي لتأجيل انتخابات ستذهب به إلى "جهنم السياسية".

الواحِديّة: من السياسة إلى احتكار الحقيقة

الواحِديّة: من السياسة إلى احتكار الحقيقة

تاريخ النشر: 2026-08-02 | 10:25

عائد زقوت
عائد زقوت
حينما تقود العجرفة السياسية والاجتماعية والثقافية، ويهيمن الاعتقاد بامتلاك الحقيقة الواحدة على دفة العمل الوطني، فإنّ أثر ذلك لا يبقى محصورًا في المجال السياسي، بل يمتد إلى البنية النفسية والمعرفية للمجتمع. فبدل أنْ يبقى الخلاف في إطار التنافس على إدارة الشأن العام، يتحوّل تدريجيًا إلى صراع حول من يملك حق تعريف الحقيقة ذاتها. وهنا يحدث التحوّل الأخطر: انتقال السياسة من مجال إدارة الاختلاف إلى مجال احتكار المعنى والشرعية. من صراع السياسة إلى اليقين المُغلق الصراع على السلطة، مهما اشتد، يظل في جوهره قابلًا للاحتواء عبر التفاوض والتوازنات وتسويات المصالح. لكن حين ينتقل الخلاف من دائرة السياسة إلى دائرة اليقين المطلق، يفقد المجال السياسي طبيعته البشرية، وتضيق مساحة المراجعة وإعادة النظر. في هذه الحالة، لا يعود الخصم مجرد منافس، بل يتحوّل تدريجيًا إلى نقيض أخلاقي أو وجودي: خارجًا عن المسار الصحيح أو مهددًا له. وهكذا يصبح التنازل ضعفًا، والنقد تشكيكًا، والتعددية مصدر قلق بدل أنْ تكون شرطًا طبيعيًا للحياة السياسية. ولا تكتفي الواحِديّة باحتكار تفسير الواقع، بل تمتد إلى احتكار الشرعية أيضًا. فكلما ترسخ الاعتقاد بامتلاك الصواب النهائي، تقلصت القدرة على الاعتراف بمشروعية الآخرين. عندها تتداخل الحدود بين الوطن والجماعة، والقضية والتنظيم، والانتماء والولاء، حتى يصبح الاختلاف السياسي نفسه موضع شبهة. مأزق الانتقال من الثورة إلى المؤسسة تكشف التجارب التاريخية أنْ الواحديّة تظهر بوضوح في بعض حركات التحرر الوطني، حيث تتداخل ضرورات التعبئة مع بناء الشرعية. فالحركات التي تنشأ في ظل صراع طويل تحتاج إلى سردية موحدة تمنحها التماسك والقدرة على الصمود، غير أنّ ما يشكل مصدر قوة في لحظة التأسيس قد يتحوّل لاحقًا إلى مصدر انغلاق في لحظة المراجعة. فكلما ارتبطت الشرعية برمزية النشأة وتاريخها، ازدادت صعوبة التمييز بين حماية المشروع وحماية التأويل السائد له. وعندها يصبح النقد اختبارًا للولاء أكثر منه مساهمة في التصحيح، ويُنظر إلى الاختلاف بوصفه تهديدًا للوحدة لا أحد شروط تجددها. ولا تنشأ الأزمة هنا من غياب الشرعية، بل من تحولها إلى مرجعية مكتفية بذاتها؛ تستمد قوتها من الماضي أكثر مما تستمدها من قدرتها على إنتاج إجابات جديدة للحاضر. وهنا يبدأ التنظيم بفقدان جزء من قدرته على التعلم، لأنّ المراجعة تُفهم باعتبارها مساسًا بالمشروعية التاريخية لا شرطًا لاستمرارها. وتُقدم التجربة الفلسطينية نموذجًا واضحًا لهذا المأزق من خلال مساري حركتي فتح وحماس، رغم اختلاف السياقات الفكرية والتنظيمية لكل منهما. فقد نشأت حركة فتح كإطار وطني واسع استطاع استيعاب تيارات متعددة، وكان هذا التنوع أحد مصادر قوتها في مرحلة التحرر. لكن انتقالها لاحقًا إلى موقع السلطة بعد اتفاق أوسلو فرض عليها تحديات جديدة؛ إذ تداخلت الحركة مع مؤسسات الحكم، وأصبح الفصل بين نقد الأداء السياسي والإداري وبين المساس بالإرث التاريخي أكثر صعوبة، مما جعل المراجعة الداخلية عملية معقدة. أمّا حركة حماس، فقد انتقلت من حركة مقاومة ذات هوية أيديولوجية واضحة إلى تجربة الحكم وإدارة المجتمع، وهو انتقال فرض عليها التوفيق بين منطق المقاومة ومتطلبات السياسة. ومع اختلاف التجربتين، برز التحدي ذاته: كيف تحافظ الحركة على هويتها التاريخية دون أنْ تتحوّل الأدوات التي نشأت في مرحلة الصراع إلى قيود تمنع التكيف مع التحولات الجديدة؟ فالمشكلة لا تكمن في امتلاك مشروع أو رؤية مركزية، بل في تحول هذه الرؤية من إطار للفعل إلى معيار وحيد للحكم على الواقع. الواحدية وتجميد الزمن الأخطر أنّ الواحديّة لا تُغيّر السياسة فقط، بل تغير إدراك الزمن نفسه. فهي تُحوّل لحظة التأسيس إلى مرجع مكتمل يُقاس به كل ما بعدها، بدل أنْ تكون بداية قابلة للتطوير. وحين ترتبط الشرعية بشخص أو مرحلة تاريخية محددة، تظهر أزمة الانتقال والمراجعة؛ إذ يتحول الفراغ إلى صراع على الإرث بدل أنْ يكون انتقالًا طبيعيًا للسلطة وتطورًا في الأفكار. كما يُقرأ الفشل غالبًا بوصفه نتيجة خلل في التنفيذ أو مؤامرات خارجية، لا باعتباره إشارة إلى الحاجة لمراجعة الرؤية والأدوات. وهكذا تعيد التجربة إنتاج نفسها داخل واقع متغير، فيتحول الماضي من مصدر إلهام إلى قيد يمنع الحركة. الإعلام وصناعة الواحدية لا يكتمل مسار الواحديّة دون الإعلام؛ فهو لا ينقل الصراع السياسي فقط، بل يساهم في تشكيل الوعي حوله. فعندما تحتكر جهة ما تعريف الواقع ومعانيه، يصبح الإعلام وسيلة لتحويل هذا الاحتكار إلى ثقافة عامة. فالخطاب السياسي الذي لا يقبل الاختلاف يحتاج بالضرورة إلى إعلام يعيد إنتاجه، والإعلام الذي يغلق المجال العام يعزز بدوره السياسة المغلقة. وهكذا تنشأ علاقة تبادلية؛ إذ تمنح السياسة الأحادية الإعلام وظيفته التعبوية، بينما يمنح الإعلام هذه السياسة قدرة أكبر على الاستمرار. يظهر ذلك في إعادة صياغة الاختلاف بوصفه انحرافًا، وفي صناعة "العدو الداخلي"، وفي بناء صورة رمزية مغلقة حول القادة والمؤسسات، بحيث يصبح النقد مساسًا بالمكانة لا محاولة لتصحيح المسار. وقد زادت البيئة الرقمية من تعقيد الظاهرة؛ إذ ساهمت الخوارزميات في إنشاء غرف صدى تعيد إنتاج القناعات نفسها، وتمنح الأفراد شعورًا بأنّ ما يتداول داخل جماعتهم يمثل الواقع كله، فتصبح الواحديّة منتجة ذاتيًا خارج سيطرة المؤسسة التقليدية. لكن تجاوز الواحديّة الإعلامية لا يعني استبدال خطاب مهيمن بآخر، بل إعادة تعريف وظيفة الإعلام: من أداة للتعبئة إلى مساحة للفهم، ومن حماية الرواية الواحدة إلى اختبار الروايات المختلفة، ومن التركيز على الأشخاص إلى نقد الأفكار والسياسات. الهروب من الواحديّة: بين اليقين والتواضع المعرفي الخروج من الواحدية لا يعني التخلي عن المبادئ أو فقدان القدرة على الحسم، بل إعادة ترتيب مستوياتها. فهناك قيم كبرى تمنح المشروع الوطني بوصلته الأخلاقية، بينما تبقى الأدوات والوسائل والقرارات العملية خاضعة للاختبار والمراجعة. وتبدأ الأزمة حين تتحوّل الوسائل إلى ثوابت، والاجتهادات البشرية إلى مسلمات نهائية، لأنّ القدرة على تصحيح المسار ليست علامة ضعف، بل دليل على حيوية المشروع وقدرته على الاستمرار. إنّ بناء وعي مقاوم للواحديّة يبدأ من قبول الاختلاف، والتمييز بين نقد الفكرة والطعن في صاحبها، وإدراك أنّ المؤسسة التي تفقد قدرتها على مراجعة نفسها تفقد تدريجيًا قدرتها على التطور. يبدأ هذا الوعي عمليًا في تفاصيل صغيرة: في قبول رأي مخالف في الاجتماعات، وفي الاعتراف بخطأ في التقدير، وفي تخصيص مساحات للنقاش المفتوح داخل المؤسسات، لا بوصفها تهديداً للتماسك، بل شرطاً لتجديده. الانتقال من الواحديّة إلى الوحدة التعددية تُظهر التجربة التاريخية أنّ الانتقال من الواحديّة التعبوية إلى الوحدة التعددية يظل أحد أصعب التحولات السياسية. فالسرديات التي تمنح الحركات قدرتها على الصمود في لحظة الصراع قد تصبح لاحقًا عائقًا أمام التكيف إذا تحولت إلى منظومة مغلقة. والوحدة التعددية لا تعني مجرد جمع أطراف مختلفة تحت سقف واحد، بل تعني القدرة على الحفاظ على وحدة المشروع والأهداف الكبرى، مع الاعتراف بتعدد الاجتهادات والوسائل وطرق قراءة الواقع. إنها صيغة تقوم على التمييز بين الثوابت التي تمنح المشروع هويته، والأدوات التي يجب أنْ تبقى قابلة للتغيير. لكن تجاوز الواحديّة لا يعني التخلي عن الصلابة الأخلاقية أو فقدان الاتجاه، بل إعادة تعريف العلاقة بين الفكرة وأدواتها: من احتكار التفسير إلى إدارة الاختلاف، ومن الثبات على المبادئ إلى المرونة في الوسائل. فالوحدة التعددية ليست حالة نهائية، بل توازن دائم بين الحاجة إلى الفعل والحاجة إلى الاعتراف بحدود المعرفة البشرية. ولعل أخطر ما يواجه أي مشروع وطني ليس أن يفتقد الحقيقة، بل أن يعتقد أنه امتلكها إلى الأبد.
×
أخبار
السويد تدرس الانضمام إلى جهود تعليق اتفاقية الشراكة بين إسرائيل والاتحاد الأوروبي الصحة: ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,254 شهيد إيران تضع قواعد عسكرية أمريكية في ألمانيا ضمن دائرة الاستهداف لابيد: إسرائيل أكثر عزلة عالميا بسبب مواقف حكومة نتنياهو..من محكمة لاهاي إلى مطار أمستردام ألبانيز: على دول المنطقة أخذ مشروع "إسرائيل الكبرى" بجدية سكرتير نتنياهو العسكري السابق غيل: "ما يُروى للجمهور عن 7 أكتوبر ليس ما حدث..وما نشر بعض الحقيقة" وزير خارجية بريطانيا: وجودنا في القدس سيكون باسم البعثة البريطانية..ولا تراجع عن الإجراءات ضد إسرائيل اتهام الطالب المقدسي محمد شلبي بالتخطيط لتنفيذ عملية باستخدام عبوات ناسفة هل ينقذ بوتين إيران من "غزوة" ترامب - نتنياهو القادمة؟! صحيفة عبرية تكشف: نتنياهو حذف فقرات من وثائق حذرت قبل هجوم 7 أكتوبر..النص الأصلي محدث- بريطانيا تزيل لافتات قنصليتها في القدس الشرقية يبقى وجودها محدود..وصحيفة تدعو حكومة نتنياهو لتطبيق العقوبات مجلة: ترامب يدرس خطة لضرب إيران قبل انتخابات التجديد النصفي حرب جيش الاحتلال على الضفة والقدس مستمرة..عمليات اعتقال ومداهمات واحتجاز مواطنين وتخريب أملاك مسؤول أمني إسرائيلي سابق يفجّر جدلاً جديداً حول 7 أكتوبر: الموساد ليس بريئا آيزنكوت يدعو لترتيب أمني جديد مع سوريا استناداً لاتفاق 1974 بضمانات أمريكية تقرير: إيران حولت 200 مليون دولار إلى حزب الله لمساعدة اللبنانيين النازحين الليكود يُجدد تنصله من إخفاق "7 أكتوبر"وسط تقارير تؤكد تلقي نتنياهو تحذيرات أمنية وعربية مسبقة إسرائيل تستنكر منشور "ممداني" في ذكرى 7 أكتوبر: يشبه تحويل 11 سبتمبر ليوم حداد على تنظيم القاعدة استطلاع: تقليص الفارق لصالح معسكر نتنياهو وتخوف واسع من تكرار أحداث "7 أكتوبر" مصر ترفض بشكل قاطع الزج بسيناء من قبل سموتريتش رويترز: حزب الله حصل على 200 مليون دولار من إيران مؤخراً الخارجية الفلسطينية تدين جرائم جيش الاحتلال والمستوطنين بحق المزارعين خلال موسم قطف الزيتون محكمة ألمانية تبقي رئيسًا سابقًا للاستخبارات موقوفًا بشبهة التجسس أكسيوس: بعد 3 سنوات على "7 أكتوبر".. نتنياهو يواجه الحساب في الانتخابات الإسرائيلية  "حماس" تبدأ مشاورات مع القوى الفلسطينية في القاهرة لتفعيل الحوار الوطني استشهاد 5 مواطنين وإصابات في غارات واستهدافات إسرائيلية متفرقة على قطاع غزة مخاوف في قطاع المصارف الإسرائيلي من عقوبات دولية بسبب تمويل الاستيطان ومخطط E1 الانسحاب الأمريكي من العراق يهدد توازنات النظام السياسي ويحول الشراكة مع واشنطن إلى "عبء مكلف" "واشنطن بوست": إدارة ترامب تفكك البنية الفيدرالية لأمن الانتخابات وتنعش التشكيك بنزاهة اقتراع 2026 الرئيس التركي الأسبق عبد الله غول يحذر طهران من ضياع "نافذة الفرصة" قبل الانتخابات الأمريكية 

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط