مجلس السلام تحول إلى مجلس لديمومة احتلال قطاع غزة..بدلا من العمل نحو تعافي قطاع غزة المبكر

الهندسة الاستيطانية: استراتيجية الاحتلال لاغتيال حل الدولتين

الهندسة الاستيطانية: استراتيجية الاحتلال لاغتيال حل الدولتين

تاريخ النشر: 2025-08-22 | 16:08

أثناء زيارتي الأخيرة لمسقط رأسي في الضفة الغربية، شعرت بثقل الحصار الجغرافي ووطأة الضغط الاستيطاني في كل خطوة أخطوها، وكأن الأرض نفسها مكبّلة. كل شارع وزاوية تحكي قصة احتلال مستمر وممنهج، لا يقتصر على الوجود العسكري وحده، بل يتجسد في إعادة هندسة الجغرافيا الفلسطينية بما يؤدي إلى تفكيك النسيج الوطني.

لقد بدا واضحاً أن الضفة الغربية بما فيها القدس قد قُسمت جغرافياً واستراتيجياً إلى محورين طوليين: الأول يمتد من شمال الضفة حتى جنوب قلقيلية، والثاني يشق الأغوار والقدس الشرقية. هذا التقسيم سيؤدي عملياً إلى تفريغ الضفة من ترابطها الجغرافي وتقسيمها إلى ثلاث مناطق رئيسية: الشمال: جنين، طولكرم، نابلس، والوسط: رام الله، البيرة، أريحا، والجنوب: الخليل، بيت لحم.

هذه الهندسة الجغرافية الاستيطانية لا تكتفي بعزل المناطق الفلسطينية، بل تهدف إلى فرض هيمنة ممنهجة، تقييد حرية الحركة، وتعزيز التحكم بالأرض بما يعيق أي إمكانية لقيام دولة فلسطينية متصلة جغرافياً. وتتجلى هذه الاستراتيجية عبر شق الطرق الالتفافية والأنفاق التي تربط المستوطنات وتفصل القرى الفلسطينية، ونصب مئات الحواجز العسكرية والبوابات على تخوم المدن، وفرض مئات الأوامر العسكرية التي تمنع البناء والزراعة والاستثمار في المنطقة “C”.

إنها ليست خطوات عشوائية، بل نهج استيطاني مدروس يمتد جذره إلى خطة إيغال آلون التي وُضعت منذ عقود، مستهدفة السيطرة على أكبر مساحة ممكنة من أراضي الضفة الغربية بما فيها القدس، عبر مزيج من القوة العسكرية، والتشريعات القسرية، والهندسة المكانية، في محاولة ممنهجة لإدامة الاحتلال وإجهاض أي مشروع سياسي يقوم على حل الدولتين.

وفي تطور خطير، أعلن وزير مالية الاحتلال، بتسلئيل سموتريتش، الذي يشغل أيضاً منصباً في وزارة الدفاع، يوم 14 أغسطس الجاري، عن إقامة مستوطنات جديدة ضمن مشروع E1، قائلاً بصراحة مرعبة: "الدولة الفلسطينية تُمحى عن الطاولة ليس بالشعارات، بل بالأفعال. فكل مستوطنة، وكل حيّ، وكل وحدة سكنية هي مسمار آخر في نعش هذه الفكرة الخطيرة."

هذا المشروع، الذي اعتمدته حكومة الاحتلال عام 1999 على مساحة 12 ألف دونم، لم ينفَّذ منذ عام 2012 بفعل اعتراض الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها الأوروبيين، لكنه اليوم يُعاد تفعيله بتنسيق كامل بين سموتريتش ورئيس وزراء الاحتلال، بنيامين نتنياهو، مع موافقة ضمنية من الإدارة الأمريكية، في محاولة لتكريس سياسة الأمر الاقع وتقويض أي إمكانيه للدولة الفلسطينية المستقبلية.

إن مشروع E1 لا يُعد مجرد تمدد للمستوطنات؛ بل أداة استراتيجية لتجزئة الأرض الفلسطينية وفرض هيمنة استيطانية على مناطق حيوية، مع قطع التواصل بين المدن وخلق شبكة معقدة من الكتل الاستيطانية والطرق الالتفافية تشمل: معاليه أدوميم شرقاً، جفعات زئيف شمالاً، وغوش عتصيون جنوباً، مع عزل متعمد للتجمعات الفلسطينية عن القدس، وفرض شبكة من الطرق والكتل الاستيطانية تجعل حلم الدولة الفلسطينية وكأنه سراب يبتعد أكثر فأكثر مع كل بؤرة استيطانية جديدة.

من منظور القانون الدولي، يشكل المشروع انتهاكاً صاريحاً لقواعد القانوني الدولي وقرارات الأمم المتحدة، لا سيما قرار مجلس الأمن رقم 446 لعام 1979، والقرار 452 لعام 1979، والقرار 465 لعام 1980، وأخيراً القرار 2334 لعام 2016، الذي اعتبر الاستيطان "انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي" وعقبة كبرى أمام تحقيق حل الدولتين. كما أكدت هيئات الأمم المتحدة، وعلى رأسها مجلس حقوق الإنسان، أن مصادرة الأراضي، وهدم المنازل، وتهجير السكان، وشق الطرق الالتفافية، تشكل جريمة ممنهجة تستهدف قلب الطابع الديمغرافي للأراضي الفلسطينية المحتلة، مما يشكل عقبة حقيقية أمام تحقيق سلام عادل، مما يستدعي من المجتمع الدولي التحرك بحزم لمنع تفاقم الأزمة والحفاظ على الحقوق المشروعة للشعب العربي الفلسطيني.

في مواجهة هذا الخطر الداهم، يجد الفلسطينيون أنفسهم أمام لحظة وجودية تتطلب صياغة استراتيجية وطنية شاملة لمواجهة الاستيطان، ترتكز على أربعة مسارات أساسية:

1- مسار الوحدة الوطنية.. صمام الأمان الاستراتيجي: إن الانقسام الداخلي هو الثغرة الأخطر التي يتسلل منها الاحتلال لتنفيذ مشاريعه الاستيطانية. أما الوحدة الوطنية، فهي السلاح الأقوى الذي يعزز قدرتنا على الصمود والمواجهة داخليًا وخارجيًا. لذلك لا بد من تشكيل هيئة قيادية عليا تتولى إدارة معركة مواجهة الاستيطان وفق خطط استراتيجية مدروسة بعناية.

2- مسار المواجهة الشعبية الشاملة: صمود شعبنا هو الحائط المنيع في وجه الاحتلال. وهذا الصمود يتجسد من خلال مشاريع اقتصادية وتنموية، وزراعة الأرض المهددة بالمصادرة، وحماية المنازل من الهدم، وتنظيم حملات مقاومة سلمية تُبقي جذوة المواجهة متقدة، وتؤكد أن الفلسطيني راسخ في أرضه مهما اشتدت المؤامرات.

3- مسار المواجهة القانونية: ساحات المحاكم الدولية ليست أقل أهمية من ميادين المواجهة على الأرض. فلا بد من تصعيد المعركة القانونية أمام مجلس الأمن، ومحكمة العدل الدولية، والمحكمة الجنائية الدولية، ومجلس حقوق الإنسان، لفضح جرائم الاحتلال بحق الأرض والإنسان، وتجريده من أي شرعية زائفة عبر أدوات القانون الدولي.

4- مسار الحراك الدبلوماسي: الدبلوماسية الفلسطينية مطالبة اليوم ببناء تحالفات استراتيجية أوسع مع القوى الكبرى والمنظمات الدولية، وتحريك الموقف العربي والإسلامي ليشكلا معًا جبهة ضغط حقيقية توقف الاستيطان، وتدافع عن الأرض، وتحمي حقوقنا الوطنية غير القابلة للتصرف.

إن مشروع E1 ليس مجرد مخطط استيطاني عابر، بل خطوة استراتيجية متقدمة لضم الضفة الغربية، بما فيها القدس، وتحويل حل الدولتين إلى رمز بلا مضمون. واليوم، يقف الفلسطينيون والعرب أمام اختبار وجودي لا يحتمل التأجيل: هل سنكتفي بمربع الأسف والإدانة والشجب، أم سنتجاوز هذه المربعات إلى استراتيجية مواجهة شاملة، تحمي الأرض والإنسان وتدافع عن المشروع الوطني بكل ثبات وعزيمة؟ أم سنظل صامتين، نرى أحلام الدولة الفلسطينية تتبخر أمام أعيننا، وتذوب تحت وطأة هندسة الاستيطان وفرض سياسة الأمر الواقع؟

×
أخبار
باكو: وفود عربية بيها فلسطين وتركيا وباكستان تغادر قاعة المؤتمر خلال كلمة هرتسوغ صندوق النقد الدولي يحذر من طول أمد الحرب والاضطرابات المتجددة كأكبر تهديد للشرق الأوسط آيزنكوت يتعهّد بهزيمة "حماس" خلال 18 شهراً بعد قضية المسبحة.."استقالة" وزير الأوقاف الفلسطيني نتنياهو وسموتريتش يعتزمان نشر نحو ألفَي مراقب في صناديق الاقتراع بالبلدات العربية هجوم حوثي على مقر أرامكو بالظهران يدمر مكاتب الرئيس التنفيذي وكبار المسؤولين مجلس سلام ترامب لديمومة الموت في غزة! قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس: اقتحامات واعتقالات ومواجهات تحقيق جديد في الكونغرس حول تضارب مصالح كوشنر واستثماراته الإسرائيلية والخليجية سي إن إن: أمريكا تضع خططاً لاستخدام "أم القنابل" ضد إيران وثائق كتبها مساعدو نتنياهو تكشف مسؤوليته عن إخفاق 7 أكتوبر وتناقض روايته حول حماس الغارديان: إسرائيل تعرقل إنشاء قاعدة لمجلس السلام في غزة ترامب: كان ينبغي الإبقاء على قادة إيران السابقين لأنني لا أعرف مع من نتفاوض صفقة الديزل الروسي تثير الجدل.. ترامب يحمل زيلينسكي مسؤولية حرب الطاقة ويدعم موسكو تقرير: سياسات إيران ومحورها أضرت بالفلسطينيين وخدمت اليمين الإسرائيلي آيزنكوت يؤكد القدرة على هزيمة نتنياهو.. وينفي ادعاءاته بشأن عملية «البيجر» الأمم المتحدة ترصد غارات وقصفاً مكثفاً بجميع محافظات غزة وتطالب إسرائيل بوقف التضييق بالضفة باحث إسرائيلي: نتنياهو يصوغ «حقيقة بديلة» لهروب قيادته من مسؤولية إخفاق 7 أكتوبر السيسي يرد على سموتريتش برسالة إلى تل أبيب..ويؤكد موقف مصر مع فلسطين زيلنسكي: أشعر بالخيانة من قبل ترامب وهو لا يقف في الجانب الصحيح من التاريخ النقابة: جيش الاحتلال يشن حربا واسعة ضد الصحفيين الفلسطينيين لحجب جرائمها استطلاع عبري: قفزة في القوائم العربية وتقارب كبير بين المعارضة الصهيونية والتحالف الحاكم عشرات آلاف يتظاهرون في كولومبيا ضدّ الرئيس الجديد احتجاجا على سياستة الاجتماعية بيلاي: عقوبات ترامب على الجنائية الدولية غير قانونية..ربما رد فعل على خسارته نوبل أوباما: حكومة نتنياهو فقدت المبادئ الأخلاقية بتجاهلها حقوق الشعب الفلسطيني مصر تذكر ترامب بالتزامات خطة غزة بعد مرور عام على توقيع شرم الشيخ «أفريقيا كجبهة جديدة لحروب الشرق الأوسط»: ممر البحر الأحمر وأنماط الفوضى الجيوسياسية العالمية تقرير: كيف أعادت سلسلة الحسابات الخاطئة إشعال حرب السعودية في اليمن؟ الصراعات الإقليمية وتعطل الممرات البحرية يجبران الاقتصاد العالمي على الاعتراف بـ «سطوة الجغرافيا» زامير يصادق على خطط عسكرية في الضفة: "جاهزون لعمليات هجومية واسعة"

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط