مجلس السلام تحول إلى مجلس لديمومة احتلال قطاع غزة..بدلا من العمل نحو تعافي قطاع غزة المبكر

النقد بين التشجيع والتشهير: رحلة الإبداع من الخفاء إلى المعارك الجانبية

معركة درء التخلف،أفضل بكثير من خوض معارك جانبية لا تعبر في جوهرها عن الاختلاف الأدبي،ولا عما يضطرم به باطن المشهد الأدبي الابداعي من تناقضات،هي بالأساس ظاهرة صحية في عالم ممزق النفس والجسم..(الكاتب)

 

قد لا أبالغ اذا قلت أن لولا "النقد"في الصحف،لظللنا الى اليوم نجهل مؤلف الرواية الرائدة "زينب"،فقد وقعها صاحبها آنذاك باسم "مصري فلاح" لأنه كان يخشى على مركزه الاجتماعي كمحام ينتمي الى الأرستقراطية من ذيوع الخبر المثير،وهو أنه كتب "رواية أدبية"..!

هكذا ظهرت رواية هيكل الأولى مجهولة المؤلف،ثم جاء استقبال النقد لها مشجعا الناس على قبول هذه "العجيبة"ومشجعا للكاتب أن يظهر "وعليه الأمان" كما يقال.كذلك لولا استقبال طه حسين لمسرحية "أهل الكهف"الرائدة لتوفيق الحكيم،لظل مفهوم المسرح كما كان هو العرض الغنائي التمثيلي لا "أدبا محترما" كما جرأ طه حسين أن يصف عمل الحكيم، "النقد" الشجاع الذي وجهه العقاد لأمير الشعراء أحمد شوقي،وما أثاره في ذلك الحين (1921) من قلب للمقاييس وانقلاب في الموازين،مقاييس الشعر وموازين البناء،وإنما نحن في عصر اللهاث وراء لقمة الخبز بأسهل الطرق،عصر التعليقات السريعة على كتاب يعيدون ما كتب على ظهر غلافه بصيغ اخرى،أو مسرحية تتفوق فيها الممثلة على نفسها،أو فيلم ينتهي بسهرة ممتعة مع نجومه،أو كذلك وهذا هو المؤلم نص ابداعي تثار من حوله الزوابع وتتناسل بسببه التهم حاملة في ثناياها عناوين مؤسفة : سطو أدبي أو "لصوصية أدبية"الامر الذي يضيف الى ركودنا الفكري وافلاسنا الثقافي ما لا قدرة لنا على تحمله..

والسؤال الذي ينبت على حواشي الواقع : هل تردت أوضاعنا الفكرية والأدبية وسقط بالتالي خطابنا الابداعي في وهاد الترجرج والانحطاط الى درجة أصبحنا فيها "غزاة مدينتنا" نكيل لبعضنا التهم ونتراشق بالألفاظ،هذا في الوقت الذي يتنافس فيه "الغرب المتقدم"على احتضان مبدعيه والاحتفاء بما أفرزته قريحتهم الابداعية بجهد غير ملول،وترشيح كبار مبدعيه للفوز بنوبل العظيمة..؟!

هل شحت ينابيع الابداع في ربوعنا وكلت أقلامنا وعجزت بالتالي على الخلق والابتكار وأصبح الواحد منا "ينهش لحم أخيه"و«ينتقد» دون خجل أو وجل،ابداعه وعصارة قريحته وكل ما "بناه" ابداعيا بحبر الروح ودم القصيدة؟..

قد لا أحيد عن جادة الصواب اذا قلت أن المشهد الابداعي ببلادنا ما فتئ يتغلب فيه الفتق على الرتق بعد أن غص حد التخمة بأقلام تتحسس بإلكاد دربها الى الابداع وتلهث متعَبَة خلف "الأضواء"..!

ولا عجب في ذلك طالما أن الواحد منا بامكانه أن يتحول بقدرة قادر الى شاعر فذ تشد له الرحال،بمجرد قصيدة يكتبها وهو يتثاءب وتتلاقفها لاحقا "أقلام" النقاد لتصنفها ضمن "الابداع العجيب"..!

قلت هذا،وأنا أقرأ ما تكتبه بعض الصحف حول "المعارك الجانبية بين الكتاب..!"ببلادنا،ولكأن هذه الظاهرة المرَضية استفحل داؤها وغدونا عاجزين على استئصالها وأمست بالتالي مرضا عضالا لا فكاك منه..!

على أية حال،كان بامكان كتابنا الأفذاذ الانصراف الى ما ينفع الساحة الثقافية من ابداع خلاق تخاض به كبقية الأمم معركة الوجود والنهضة من الركود والترجرج،وأعني معركة درء التخلف، أفضل بكثير من خوض معارك جانبية لا تعبر في جوهرها عن الاختلاف الأدبي،ولا عما يضطرم به باطن المشهد الأدبي الابداعي من تناقضات،هي بالأساس ظاهرة صحية في عالم ممزق النفس والجسم..

قلت هذا،وأنا أتحسر على ما تشهده ساحتنا الثقافية بين الحين والآخر من اتهامات متبادلة بين بعض المبدعين،لا طائل من ورائها سواء تغليب الفتق على الرتق،والنقل على العقل..

أقول هذا أيضا،حرصا مني على نقاوة مشهدنا الابداعي من كل الشوائب وسعيا حثيثا للارتقاء بمستوى وعينا الأدبي لأعرض شريحة قارئة،الأمر الذي يحتم علينا جميعا إيلاء هذا المشهد ما يستحق من ابداع واعد من شأنه ترك بصمات واضحة على حركة الابداع الفني برمتها،بمنأى عن التراشق بالاتهامات الزائفة.

وبينما نرثي لحال المشهد الثقافي الذي بات ساحة للمناكفات العقيمة،نغفل عن حقيقة محورية: أن النقد الحقيقي ليس سيفا يُقطع به الآخر، بل مرآة تُصقل الرؤى وتُحرّض الحياة على التجدّد.فالنقد الخلّاق،ذلك الذي كان يُمهّد لولادة "زينب" ويُخرج "أهل الكهف" من ظلّ اللهو إلى نور الأدب،هو نفسه ما افتقدناه في زمن تُباح فيه الدماء القلميّة باسم النقد،وتُستباح فيه الحرمات الإبداعية تحت غطاء التنظير.!

إننا بحاجة ماسّة إلى استعادة روح النقد البنّاء الذي لا يهدم إلا ليُعيد البناء،ولا يجرح إلا ليُعمّق الوعي،ولا يختلف إلا ليُنتج التنوّع.فالنقد إذن ليس معركة بين الأنا والآخر،بل حوارا بين الأنا والأنا،ومسارا نحو الحقيقة التي لا تضيء إلا بظلال الاختلاف.فهل نستعيد هذه الروح قبل أن نُصبح قبائل تتقاتل على أطلال إبداعنا،بينما العالم يسبقنا بأسئلته الكبرى وإبداعاته الناهضة..؟!

ونبقى،بعد كل هذا،نتساءل في دهشة وألم: كيف انقلب النقد من قنديل يضيء الدرب إلى شعلة تحرق الحقول؟ وكيف صرنا،نحن أبناء الحضارة التي علمت العالم فنَّ القول،نلهث خلف معارك وهمية،بينما تنهض الأمم بعقولها وتتجاوزنا بأدواتها؟!

لقد كان النقدُ في أيام رواده العظام-هيكل وطه حسين والعقاد-جسرا يعبرُ بالأدب من هامش الظنون إلى قلب اليقين،وسلّما يصعد بالمبدع من خوف التجربة إلى ثقة الإنجاز.أما اليوم،وقد تحولت ساحتنا الثقافية إلى حلبة تتساقط فيها الأقنعة وتتراشق فيها الاتهامات،فإننا نغتال أرواح الإبداع قبل أن تولد،ونُحبط همم المبدعين قبل أن تخطوَ خطواتها الأولى.

إن الذي يقرأ تاريخنا الأدبي يجد أن كل نهضة حقيقية كانت ابنة نقد شجاع وصادق،نقد يبحث عن الجوهر ولا يتوقف عند القشور،نقد يختلف ليُثري لا ليدمر،ويتجادل ليُنتج لا ليهدم.وهل ننسى أن "زينب" ولدت خفية ثم انتصرت بحضن نقدي داعم؟! وأن "أهل الكهف" ارتقى من مجرد مسرحية إلى أدب محترم بنظرة ثاقبة من طه حسين؟!وأن شوقي نفسه تجاوز حدوده الشعرية بفضل معارك نقدية كانت تبحث عن الحقيقة لا عن الانتصار الشخصي؟

نعم،نحن في عصر ضبابي،عصر تائه بين الحاجة الماسة للخبز والوله نحو الأضواء،عصر تحولت فيه النصوص إلى ساحات قتال،وصرنا نتسلح بأضعف الأسلحة وأرخصها: الاتهامات المجانية، والتكفير الأدبي،والتشكيك في النوايا.وهذا،بكل أسف،ليس إلا انعكاسا لأزمة أعمق: أزمة الثقة في الذات الإبداعية،وأزمة الوعي بقيمة الاختلاف، وأزمة العجز عن مواكبة عصر يقدس الجديد ويتجاوز القديم بلا رحمة.

فهل ندرك،أخيرا،أن النقد الحقيقي ليس معركة ضد الآخر،بل هو حوار مع الذات وامتحان لقدراتنا على التجدد؟ وهل نعي أن الأمم لا تُبنى بمعارك جانبية،بل برؤى متكاملة وطاقات متضافرة؟ وهل نستوعب أن المتاحف الأدبية التي نفتخر بها لم تُصنع بجهود أفراد،بل بحركة نقدية واعية احتضنت الإبداع ودفعته إلى الأمام؟

ربما حان الوقت لأن نخلع عن النقد ثوب العداوة، ونكسوه ثوب الصداقة مع الإبداع.وربما حان الوقت لنفهم أن الاختلاف ليس خيانة،والتنوع ليس فوضى،والنقد ليس إعداما.فالإبداع الحقيقي، كالنهر،لا ينمو إلا بالتيارات المتقاطعة،ولا يعمق مجراه إلا باصطدامه بالصخور.

وختاما،ندعو كل من يمسك بقلم،وكل من يمتلك رأيا،وكل من يحمل همّ الثقافة،إلى مراجعة الذات قبل مراجعة الآخرين،وإلى بناء الجسور بدل حفر الخنادق،وإلى استلهام روح النقد الخلاق الذي كان وما زال مفتاح كل نهضة أدبية حقيقية.فلنستعد النقد كفعل حضاري،لا كأداة هدم،ولنكن كما كان أسلافنا: نختلف لنرتقي،ونتناقش لنبدع،ونتنافس لنمضي قدما نحو آفاق أرحب من الإبداع والوعي.

فهل نحن فاعلون؟ أم نظل سجناء معاركنا العقيمة،بينما العالم يمضي قدما،ويتركنا خلفه نتخبط في ظلام التهم والتشكيك..؟!

السؤال في حد ذاته..جواب..!

 

 

×
أخبار
شاهين طالبت اتخاذ خطوات جدية لوقف المشاريع الاستيطانية ومخططات الضم لإقامة دولة فلسطين بعد رفض شعبي..ترامب يرفض البث الحي لإعدام نضال حسن دبلوماسيان أمريكيان يحذران: تراجع الدعم الأمريكي لإسرائيل يهدد مكانتها الاستراتيجية ووجودها باهتة وغير حاسمة.. خبير بريطاني يحلل أسباب تعثر القوة الجوية الأمريكية والإسرائيلية ضد إيران "خسائر بمئات المليارات": تحولات ديموغرافية تهدد الاقتصاد الإسرائيلي ليبرمان يرفض دعم حكومة أقلية ويتعهد بائتلاف "صهيوني حصراً" استهداف قصر معاشيق الرئاسي في عدن بـ 4 صواريخ باليستية وتصاعد كثيف للدخان نتنياهو: أمليت موقفي على الشرع في مكالمة قصيرة وواضحة لوقف استهداف الدروز في خطوة تاريخية.. رابطة أمريكية للعلوم السياسية تصويت بالأغلبية لصالح المقاطعة الأكاديمية لإسرائيل مجلس السلام يعلن استكمال آليات الرقابة والمعايير المالية لتنفيذ خطة غزة السيسي: أمن السعودية ودول الخليج خط أحمر واستقرار غزة والسودان وليبيا من مقتضيات الأمن القومي العربي شبكة إعلانات إسرائيلية تتجسس على ملايين المستخدمين والمؤسسات الدولية لصالح شركات اختراق وتجسس تقرير حقوقي يكشف شهادات حول إطلاق حراس سجون الاحتلال النار على الأسرى الفلسطينيين داخل الزنازين نتنياهو يعلن إنشاء جدار أمني ضخم على الحدود الشرقية من اليرموك إلى إيلات ملادينوف يعلن تعليق تنسيق البضائع للقطاع الخاص بغزة ويدعو للإسراع بانتشار القوة الدولية الاتحاد الأوروبي ودول الخليج اتفقوا على تأجيل القمة المقرة بينهما في الرياض باكو: وفود عربية بيها فلسطين وتركيا وباكستان تغادر قاعة المؤتمر خلال كلمة هرتسوغ صندوق النقد الدولي يحذر من طول أمد الحرب والاضطرابات المتجددة كأكبر تهديد للشرق الأوسط الصحة: ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,396 شهيدا آيزنكوت يتعهّد بهزيمة "حماس" خلال 18 شهراً بعد قضية المسبحة.."استقالة" وزير الأوقاف الفلسطيني نتنياهو وسموتريتش يعتزمان نشر نحو ألفَي مراقب في صناديق الاقتراع بالبلدات العربية هجوم حوثي على مقر أرامكو بالظهران يدمر مكاتب الرئيس التنفيذي وكبار المسؤولين مجلس سلام ترامب لديمومة الموت في غزة! قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس: اقتحامات واعتقالات ومواجهات تحقيق جديد في الكونغرس حول تضارب مصالح كوشنر واستثماراته الإسرائيلية والخليجية سي إن إن: أمريكا تضع خططاً لاستخدام "أم القنابل" ضد إيران وثائق كتبها مساعدو نتنياهو تكشف مسؤوليته عن إخفاق 7 أكتوبر وتناقض روايته حول حماس الغارديان: إسرائيل تعرقل إنشاء قاعدة لمجلس السلام في غزة ترامب: كان ينبغي الإبقاء على قادة إيران السابقين لأنني لا أعرف مع من نتفاوض

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط