مجلس السلام تحول إلى مجلس لديمومة احتلال قطاع غزة..بدلا من العمل نحو تعافي قطاع غزة المبكر

القوة قبل القانون الدولي: فنزويلا كنموذج للهيمنة الأمريكية

القوة قبل القانون الدولي: فنزويلا كنموذج للهيمنة الأمريكية

تاريخ النشر: 2026-01-04 | 12:08

في صباح 3 يناير 2026، تصدّر المشهد الدولي خبر اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته من داخل القصر الجمهوري في كاراكاس، عقب عملية عسكرية مركّبة نُسبت إلى قوات العمليات الخاصة الأمريكية، سبقتها ضربات دقيقة استهدفت مواقع استراتيجية داخل العاصمة. لا يمكن توصيف هذا الحدث بوصفه عملية عسكرية محدودة أو إجراءً تكتيكياً عابراً، بل يندرج ضمن نمط عدواني مكتمل الأركان، يعبّر عن ممارسة صريحة لإرهاب الدولة، ويعكس توجهاً استراتيجياً لإعادة تشكيل النفوذ الأمريكي في نصف الكرة الغربي، خصوصاً في البيئات الغنية بالموارد الطبيعية ذات الأهمية الجيو-اقتصادية العالية. ما جرى يمثل استخداماً للقوة الصلبة الهجينة، حيث تتداخل الأدوات العسكرية المباشرة مع العمل الاستخباراتي، والتكنولوجيا المتقدمة، والضغط السياسي، في تجاوز واضح لقواعد النظام الدولي.

تشير معطيات العملية إلى أن نجاحها لم يكن ناتجاً عن التفوق العسكري وحده، بل عن اختراق داخلي بنيوي شمل تعاون عناصر من داخل أجهزة الدولة مع جهات استخباراتية أمريكية، إلى جانب تعطيل فعلي لمنظومات الردع السيادي، بما في ذلك عدم تفعيل أنظمة الدفاع الجوي. يعكس هذا النمط اعتماد الولايات المتحدة على استراتيجية التفكيك من الداخل، حيث تُقوَّض الدولة من داخل مؤسساتها قبل توجيه الضربة النهائية لرأسها السياسي. ومن منظور نظري، يندرج هذا السلوك ضمن تطبيقات الواقعية الهجومية وملامح الإمبريالية المعاصرة.

تاريخياً، يستدعي هذا الحدث المقارنة مع الغزو الأمريكي لبنما عام 1990، حين أُطيح بالرئيس مانويل نورييغا، ونُقل قسراً إلى الولايات المتحدة لمحاكمته، رغم كونه حليفاً سابقاً لواشنطن. وقد مثّلت تلك الواقعة سابقة خطيرة في تسييس العدالة العابرة للحدود، واستخدام القانون كأداة لاحقة لإضفاء شرعية شكلية على فعل عسكري عدواني. الدلالة المركزية هنا أن التحالف مع القوة العظمى لا يوفر ضمانة للسيادة، وأن الشرعية تصبح رهينة للمصلحة الاستراتيجية والمتغطي بمُلاك النظام العالمي عريان. وتُظهر المقارنة بين بنما وفنزويلا نمطاً متكرراً في السلوك الأمريكي: الجمع المنهجي بين القوة العسكرية المباشرة، والعمليات الخاصة، والأدوات القانونية والقضائية، بما يحوّل القانون من منظومة ضابطة للسلوك الدولي إلى أداة انتقائية تُستخدم بعد وقوع الفعل القسري. وفي هذا الإطار، يواجه مادورو-على اختلاف السياقات- المنطق ذاته: قوة خارجية تتحرك وفق حسابات المصلحة، وعامل داخلي قابل للاختراق والتوظيف.

تتضاعف أهمية فنزويلا في الحسابات الأمريكية نظراً لثقلها الجيو-اقتصادي. فالبلاد تمتلك أكبر احتياطي نفطي مؤكد عالمياً، إلى جانب احتياطيات معتبرة من الغاز الطبيعي، وثروات معدنية استراتيجية تشمل الذهب، والألماس، والبُوكسِيت (الخام الذي يُصنع منه الألمنيوم). كما يشكّل موقعها الجغرافي، بسواحل تمتد لنحو 2800 كيلومتر على البحر الكاريبي، عقدة ربط بحرية حساسة في التجارة العالمية، وقريبة من الممرات الاستراتيجية المرتبطة بقناة بنما. السيطرة على هذا الفضاء لا تعني مكسباً اقتصادياً فحسب، بل إعادة تشكيل موازين القوة الإقليمية والدولية.

في هذا السياق، يتجلى التحول التاريخي في مبدأ مونرو، الذي أُعلن عام 1823 في إطار منع التدخل الأوروبي في أمريكا اللاتينية، ثم جرى تطويره عبر “الملحق الروزفلتي” عام 1904 ليبرر التدخل العسكري الأمريكي بذريعة حفظ الاستقرار. ومع مرور الوقت، فقد المبدأ أي مضمون أخلاقي، وتحول إلى أداة هيمنة ممنهجة. اليوم، يُعاد تفعيله بصيغة معاصرة تهدف إلى منع تمدد نفوذ قوى منافسة مثل الصين وروسيا، وهو ما ينسجم مع ما ورد في الاستراتيجية الأمريكية للأمن القومي الصادرة في ديسمبر/كانون الأول 2025.

العملية في فنزويلا تكشف كذلك عن التكامل البنيوي بين القوة الاقتصادية والقوة العسكرية. فالهدف لا يقتصر على تغيير القيادة السياسية، بل يتعداه إلى إعادة هيكلة السيطرة على الموارد والممرات الحيوية، وتحويل التدخل العسكري إلى وجود استراتيجي دائم عبر قواعد جوية وبحرية محتملة. هذا التحول ينقل فنزويلا من كونها دولة ذات سيادة إلى منصة ارتكاز جيوسياسية في صراع النفوذ الدولي. ومن منظور القانون الدولي، يشكّل ما جرى انتهاكاً صريحاً للمادة (2) الفِقرة (4) من ميثاق الأمم المتحدة، التي تحظر استخدام القوة ضد سلامة الأراضي أو الاستقلال السياسي لأي دولة. كما أن اختطاف رئيس دولة ونقله خارج الإقليم الوطني يمثل خرقاً لمبدأ الحصانة السيادية وحق الشعوب في تقرير مصيرها. وعليه، تندرج العملية ضمن توصيف العدوان الدولي، بغضّ النظر عن الذرائع السياسية أو القانونية اللاحقة.

تُفضي التجربة الفنزويلية إلى جملة من الدروس الاستراتيجية: أولاً، أن القوى الكبرى مستعدة لتعليق القانون الدولي متى تعارض مع مصالحها الحيوية. ثانياً، أن التحالفات التقليدية لا تشكّل ضمانة حقيقية للسيادة. ثالثاً، أن الدول الصاعدة والناشئة بحاجة إلى منظومات ردع شاملة -سياسية، وعسكرية، واقتصادية- مرتبطة بقدرات محلية واستراتيجيات دفاع مستدامة.

في الخلاصة، تكشف الحالة الفنزويلية أن النظام الدولي المعاصر تحكمه الواقعية السياسية ومنطق القوة، بينما يتراجع القانون الدولي إلى موقع وظيفي انتقائي، يُفعَّل أو يُعطَّل تبعاً للمصالح الاستراتيجية للقوى الكبرى، بوصفها مُلّاك النظام الدولي الفعليين. وعليه، لا تبدو فنزويلا حالة استثنائية، بل نموذجاً كاشفاً لطبيعة الهيمنة في عالم تتآكل فيه القيود القانونية أمام اعتبارات القوة. وفي هذا السياق، يغدو المثل الشعبي “ اضرب المربوط يخاف السائب ” توصيفاً مكثفاً لمنطق الردع القسري الذي يحكم سلوك القوى المهيمنة في النظام الدولي المعاصر.

×
أخبار
الصحة: ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,396 شهيدا الاتحاد الأوروبي ودول الخليج اتفقوا على تأجيل القمة المقرة بينهما في الرياض باكو: وفود عربية بيها فلسطين وتركيا وباكستان تغادر قاعة المؤتمر خلال كلمة هرتسوغ صندوق النقد الدولي يحذر من طول أمد الحرب والاضطرابات المتجددة كأكبر تهديد للشرق الأوسط آيزنكوت يتعهّد بهزيمة "حماس" خلال 18 شهراً بعد قضية المسبحة.."استقالة" وزير الأوقاف الفلسطيني نتنياهو وسموتريتش يعتزمان نشر نحو ألفَي مراقب في صناديق الاقتراع بالبلدات العربية هجوم حوثي على مقر أرامكو بالظهران يدمر مكاتب الرئيس التنفيذي وكبار المسؤولين مجلس سلام ترامب لديمومة الموت في غزة! قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس: اقتحامات واعتقالات ومواجهات تحقيق جديد في الكونغرس حول تضارب مصالح كوشنر واستثماراته الإسرائيلية والخليجية سي إن إن: أمريكا تضع خططاً لاستخدام "أم القنابل" ضد إيران وثائق كتبها مساعدو نتنياهو تكشف مسؤوليته عن إخفاق 7 أكتوبر وتناقض روايته حول حماس الغارديان: إسرائيل تعرقل إنشاء قاعدة لمجلس السلام في غزة ترامب: كان ينبغي الإبقاء على قادة إيران السابقين لأنني لا أعرف مع من نتفاوض صفقة الديزل الروسي تثير الجدل.. ترامب يحمل زيلينسكي مسؤولية حرب الطاقة ويدعم موسكو تقرير: سياسات إيران ومحورها أضرت بالفلسطينيين وخدمت اليمين الإسرائيلي آيزنكوت يؤكد القدرة على هزيمة نتنياهو.. وينفي ادعاءاته بشأن عملية «البيجر» الأمم المتحدة ترصد غارات وقصفاً مكثفاً بجميع محافظات غزة وتطالب إسرائيل بوقف التضييق بالضفة باحث إسرائيلي: نتنياهو يصوغ «حقيقة بديلة» لهروب قيادته من مسؤولية إخفاق 7 أكتوبر السيسي يرد على سموتريتش برسالة إلى تل أبيب..ويؤكد موقف مصر مع فلسطين زيلنسكي: أشعر بالخيانة من قبل ترامب وهو لا يقف في الجانب الصحيح من التاريخ النقابة: جيش الاحتلال يشن حربا واسعة ضد الصحفيين الفلسطينيين لحجب جرائمها استطلاع عبري: قفزة في القوائم العربية وتقارب كبير بين المعارضة الصهيونية والتحالف الحاكم عشرات آلاف يتظاهرون في كولومبيا ضدّ الرئيس الجديد احتجاجا على سياستة الاجتماعية بيلاي: عقوبات ترامب على الجنائية الدولية غير قانونية..ربما رد فعل على خسارته نوبل أوباما: حكومة نتنياهو فقدت المبادئ الأخلاقية بتجاهلها حقوق الشعب الفلسطيني مصر تذكر ترامب بالتزامات خطة غزة بعد مرور عام على توقيع شرم الشيخ «أفريقيا كجبهة جديدة لحروب الشرق الأوسط»: ممر البحر الأحمر وأنماط الفوضى الجيوسياسية العالمية تقرير: كيف أعادت سلسلة الحسابات الخاطئة إشعال حرب السعودية في اليمن؟

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط