مجلس السلام تحول إلى مجلس لديمومة احتلال قطاع غزة..بدلا من العمل نحو تعافي قطاع غزة المبكر

الضفة الغربية تحت النار: المستوطنون رأس حربة الضم والتهجير ..

الضفة الغربية تحت النار: المستوطنون رأس حربة الضم والتهجير ..

تاريخ النشر: 2026-08-23 | 17:46

د عبد الرحيم محمود جاموس
د عبد الرحيم محمود جاموس

لم يعد ما يجري في الضفة الغربية مجرد تصعيد في عنف المستوطنين، ولا سلسلة اعتداءات منفصلة يمكن اختزالها في سلوك جماعات يهودية متطرفة خارجة عن القانون. ما يجري أخطر وأعمق: مشروع متدرج لإعادة هندسة الضفة الغربية أرضًا وسكانًا وقانونًا وسيادة، يتحول فيه المستوطن إلى رأس حربة ميدانية، وتتداخل أدواره مع الحكومة والجيش والشرطة وأجهزة الإدارة.

فالاستيطان لم يعد مجرد احتلال تدريجي للأرض؛ إنه يتحول إلى أداة لإنتاج واقع سياسي جديد. يبدأ الأمر ببؤرة، ثم طريق، ثم السيطرة على مورد ماء أو مرعى، ثم محاصرة قرية أو منزل، ثم تهجير السكان، لتأتي مؤسسات الاحتلال لاحقًا فتثبت النتيجة وتمنحها غطاءً إداريًا وقانونيًا. وهكذا يصبح العنف وسيلة، والتهجير نتيجة، والاستيطان أداة، والضم هو الغاية. وما جرى ويجري في قُصرة نموذج بالغ الدلالة: مستوطنون مسلحون يحاصرون منازل فلسطينية، ويقطعون عنها المياه والكهرباء، ويمنعون سكانها من الوصول إلى أرضهم، فيما يتحول حضور الجيش من قوة لردع المعتدين إلى قوة تدير المشهد وتفرض «منطقة عسكرية مغلقة». هذه ليست حادثة معزولة؛ إنها صورة مصغرة لما يتشكل في الضفة.

 من «عنف المستوطنين» إلى عنف المنظومة المشكلة في توصيف الاعتداءات باعتبارها «عنف مستوطنين» فقط أنه يفصل الجريمة عن البيئة السياسية والقانونية التي تسمح بها. فقد وثقت منظمات حقوقية أن المستوطنين الذين يمارسون هذه الاعتداءات يعملون في كثير من الحالات بغطاء مالي ومادي وقانوني من الدولة، وأن الهجمات تقع أحيانًا بالتوازي مع وجود الجيش أو في حضوره. كما أفادت هيومن رايتس ووتش بأن 107 تجمعات فلسطينية تعرضت منذ 2023 لنزوح كلي أو جزئي مرتبط بعنف المستوطنين والتوسع الاستيطاني.

والأخطر أن الدولة نفسها تتجه إلى إعادة ترتيب أدوات السيطرة. فقرار نقل إنفاذ القانون المتعلق بالمستوطنين من الجيش إلى الشرطة المدنية الإسرائيلية ليس إجراءً إداريًا عابرًا؛ إنه خطوة باتجاه إدماج المستوطنات والمستوطنين في منظومة القانون والسيادة الإسرائيلية، بما يطمس تدريجيًا الخط الفاصل بين الدولة والأرض المحتلة. 

وقد وُصف هذا المسار بأنه خطوة نحو الضم الفعلي. وهنا تتكشف الصورة كاملة: المستوطن يفرض الأمر الواقع، والجيش يوفر الحماية، والشرطة تتولى إنفاذه، والحكومة توفر الغطاء السياسي، والإدارة المدنية تعمل على تثبيته قانونيًا وإداريًا. إنها منظومة واحدة، لا حوادث منفصلة. الهدف ليس الأرض وحدها الهدف النهائي ليس الاستيلاء على مزيد من الدونمات فحسب، وإنما تفكيك المجال الفلسطيني ومنع قيام كيان فلسطيني قابل للحياة. ولهذا انتقلت الاعتداءات بصورة متزايدة من الأطراف والمناطق الريفية إلى مناطق «أ» و«ب»، أي إلى قلب المجال الفلسطيني. وتشير بيانات حديثة إلى أن الاعتداءات في المنطقة «ب» أصبحت تمثل نسبة كبيرة من إجمالي عنف المستوطنين، بما يكشف تحولًا من الاستيلاء على الأطراف إلى اختراق المجال الفلسطيني نفسه.

إنها هندسة جديدة للجغرافيا: محاصرة المدن والقرى، تقطيع أوصالها، السيطرة على الأراضي المحيطة بها، إقامة البؤر والمزارع الاستيطانية، التحكم بالطرق والمياه والمراعي، ثم دفع السكان إلى الرحيل. وبذلك يصبح التهجير أداة من أدوات الاستيطان، والاستيطان أداة من أدوات الضم.

وهذا ما يجعل ما يجري أقرب إلى حرب على الوجود الفلسطيني في الضفة، وإن اختلفت أدواتها عن حرب غزة. هناك تدمير واسع بالقوة العسكرية؛ وهنا يجري استنزاف السكان وإرهابهم ودفعهم إلى مغادرة أرضهم، قطعة بعد قطعة، وقرية بعد قرية. الخطر الأكبر: تحويل الاحتلال إلى سيادة المشروع الإسرائيلي الأكثر خطورة لا يتمثل فقط في إعلان الضم، وإنما في جعله غير ضروري.

 فحين تصبح المستوطنة مدينة، والبؤرة مزرعة، والطريق شبكة مواصلات إسرائيلية، والأرض «أرض دولة»، والشرطة الإسرائيلية صاحبة الاختصاص، والقانون الإسرائيلي حاضرًا، والفلسطيني محاصرًا داخل جيوب سكانية، يكون الضم قد تحقق وظيفيًا حتى لو تأخر الإعلان السياسي.

وهذه هي معركة الزمن. كل يوم يمر من دون مقاومة سياسية وقانونية فعالة يعمل لصالح هذا المشروع. ولهذا فإن السؤال لم يعد: هل ستضم إسرائيل الضفة؟ بل: كم من الضفة يجري ضمه الآن، وبأي سرعة؟ ماذا نفعل؟ لم تعد البيانات وحدها تكفي، ولا تكفي الإدانة الدولية مهما كانت قوية.

المطلوب تحويل المواجهة إلى استراتيجية وطنية متعددة المسارات. أولًا، بناء سجل وطني موحد للاستيطان والتهجير، يوثق كل بؤرة وكل اعتداء وكل عملية استيلاء وكل عملية تهجير، ويربطها بأسماء المسؤولين والجهات العسكرية والشرطية والاقتصادية التي شاركت فيها أو وفرت الحماية لها. فلا جريمة بلا ملف، ولا ملف بلا مسؤولية محددة.

 ثانيًا، تحويل التوثيق إلى مساءلة قانونية.

يجب إعداد ملفات متكاملة لجرائم الاستيطان والتهجير ونقل السكان والاستيلاء على الأرض والعنف المنظم، وتفعيلها أمام المحكمة الجنائية الدولية والمحاكم الوطنية التي تسمح قوانينها بالولاية القضائية على الجرائم الدولية، بدل أن تبقى الأدلة حبيسة الأرشيف.

 ثالثًا، استهداف منظومة الاستيطان لا أفراد المستوطنين فقط: الشركات، الجمعيات، صناديق التمويل، المؤسسات المالية، شبكات التسويق، ومصادر السلاح والخدمات التي تجعل الاستيطان مشروعًا اقتصاديًا قابلًا للتوسع. العقوبة يجب أن تنتقل من هامش المشروع إلى بنيته. رابعًا، تثبيت الفلسطيني على أرضه.

حماية المزارعين، دعم القرى المهددة، تأمين الوصول إلى الأرض، إنشاء فرق قانونية وميدانية للتوثيق والحماية، وتوسيع الحضور الدولي في المناطق الأكثر تعرضًا للتهجير.

فالمواجهة الحقيقية تبدأ من منع تحويل الأرض الخالية إلى أرض مستباحة. خامسًا، إعادة بناء الوحدة الوطنية على أساس حماية الأرض والإنسان. فالانقسام الفلسطيني في هذه اللحظة ليس مجرد خلاف سياسي؛ إنه ثغرة استراتيجية يستفيد منها مشروع يعمل على تفكيك الجغرافيا الفلسطينية وإعادة توزيع القوة والسيطرة عليها.

 سادسًا، بناء جبهة عربية ودولية لفرض كلفة على الاحتلال، بحيث لا يبقى الاستيطان والضم والتهجير بلا ثمن سياسي واقتصادي ودبلوماسي. والمطلوب الانتقال من المطالبة بإدانة الانتهاكات إلى المطالبة بإجراءات محددة: عقوبات، مقاطعة للمؤسسات الاستيطانية، وقف التعامل مع الجهات المتورطة، وحماية دولية للسكان المعرضين للتهجير.

المعركة الآن على الوجود إن ما يجري في الضفة الغربية ليس هامشًا على حرب غزة، ولا ملفًا أمنيًا منفصلًا، بل هو أحد ميادين المعركة على مستقبل فلسطين. 

فالضفة تواجه مشروعًا يريد تحويل الفلسطيني من صاحب أرض إلى مجرد ساكن داخل جيوب محاصرة، وتحويل الاحتلال من وضع مؤقت إلى بنية سيادية دائمة. ومن هنا فإن مواجهة هذا المشروع لا تكون بردود الفعل، بل باستراتيجية فلسطينية واضحة: وحدة وطنية، حماية للأرض، مقاومة مدنية وقانونية منظمة، توثيق ومساءلة، تعبئة عربية ودولية، وفرض كلفة حقيقية على منظومة الاستيطان والضم.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن نكتشف بعد سنوات أن الضم لم يبدأ بقرار سياسي، وإنما بدأ يوم سمح للمستوطن أن يطرد الفلسطيني من أرضه، وللبؤرة أن تتحول إلى مستوطنة، وللاعتداء أن يتحول إلى قانون، وللواقع المفروض بالقوة أن يصبح أمرًا طبيعيًا. لذلك، فإن معركة الضفة اليوم هي معركة على الزمن بقدر ما هي معركة على الأرض.

إما أن نوقف تحويل الجريمة إلى واقع، أو يتحول الواقع نفسه إلى جريمة مكتملة الأركان.

×
أخبار
الصحة: ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,396 شهيدا الاتحاد الأوروبي ودول الخليج اتفقوا على تأجيل القمة المقرة بينهما في الرياض باكو: وفود عربية بيها فلسطين وتركيا وباكستان تغادر قاعة المؤتمر خلال كلمة هرتسوغ صندوق النقد الدولي يحذر من طول أمد الحرب والاضطرابات المتجددة كأكبر تهديد للشرق الأوسط آيزنكوت يتعهّد بهزيمة "حماس" خلال 18 شهراً بعد قضية المسبحة.."استقالة" وزير الأوقاف الفلسطيني نتنياهو وسموتريتش يعتزمان نشر نحو ألفَي مراقب في صناديق الاقتراع بالبلدات العربية هجوم حوثي على مقر أرامكو بالظهران يدمر مكاتب الرئيس التنفيذي وكبار المسؤولين مجلس سلام ترامب لديمومة الموت في غزة! قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس: اقتحامات واعتقالات ومواجهات تحقيق جديد في الكونغرس حول تضارب مصالح كوشنر واستثماراته الإسرائيلية والخليجية سي إن إن: أمريكا تضع خططاً لاستخدام "أم القنابل" ضد إيران وثائق كتبها مساعدو نتنياهو تكشف مسؤوليته عن إخفاق 7 أكتوبر وتناقض روايته حول حماس الغارديان: إسرائيل تعرقل إنشاء قاعدة لمجلس السلام في غزة ترامب: كان ينبغي الإبقاء على قادة إيران السابقين لأنني لا أعرف مع من نتفاوض صفقة الديزل الروسي تثير الجدل.. ترامب يحمل زيلينسكي مسؤولية حرب الطاقة ويدعم موسكو تقرير: سياسات إيران ومحورها أضرت بالفلسطينيين وخدمت اليمين الإسرائيلي آيزنكوت يؤكد القدرة على هزيمة نتنياهو.. وينفي ادعاءاته بشأن عملية «البيجر» الأمم المتحدة ترصد غارات وقصفاً مكثفاً بجميع محافظات غزة وتطالب إسرائيل بوقف التضييق بالضفة باحث إسرائيلي: نتنياهو يصوغ «حقيقة بديلة» لهروب قيادته من مسؤولية إخفاق 7 أكتوبر السيسي يرد على سموتريتش برسالة إلى تل أبيب..ويؤكد موقف مصر مع فلسطين زيلنسكي: أشعر بالخيانة من قبل ترامب وهو لا يقف في الجانب الصحيح من التاريخ النقابة: جيش الاحتلال يشن حربا واسعة ضد الصحفيين الفلسطينيين لحجب جرائمها استطلاع عبري: قفزة في القوائم العربية وتقارب كبير بين المعارضة الصهيونية والتحالف الحاكم عشرات آلاف يتظاهرون في كولومبيا ضدّ الرئيس الجديد احتجاجا على سياستة الاجتماعية بيلاي: عقوبات ترامب على الجنائية الدولية غير قانونية..ربما رد فعل على خسارته نوبل أوباما: حكومة نتنياهو فقدت المبادئ الأخلاقية بتجاهلها حقوق الشعب الفلسطيني مصر تذكر ترامب بالتزامات خطة غزة بعد مرور عام على توقيع شرم الشيخ «أفريقيا كجبهة جديدة لحروب الشرق الأوسط»: ممر البحر الأحمر وأنماط الفوضى الجيوسياسية العالمية تقرير: كيف أعادت سلسلة الحسابات الخاطئة إشعال حرب السعودية في اليمن؟

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط