مجلس السلام تحول إلى مجلس لديمومة احتلال قطاع غزة..بدلا من العمل نحو تعافي قطاع غزة المبكر

الحوكمة الديموقراطية أم المركزية السلطوية؟

الحوكمة الديموقراطية أم المركزية السلطوية؟

تاريخ النشر: 2020-02-10 | 07:13

أثير في الآونة الأخيرة كثيرٌ من التساؤلات حول أفضل أسلوب لحوكمة الدولة في العصر الحديث، وجرى توصيف الخيارات على أنها بين الديموقراطيّة على النمط الغربي الليبرالي والإدارة المركزيّة السلطويّة القويّة، وهو تبسيطٌ مخلٌّ، فلكل نظام مزايا وعيوبٌ، وكلاهما أفرز تجارب ناجحة وأخرى فاشلة.

وإذا راجعنا التجارب التاريخيّة بموضوعيّة ووفقاً لمعادلات علمية، سنجد أن التجربة الديموقراطيّة أفرزت أقوى دول العالم عسكرياً واقتصادياً، وهي: الولايات المتحدة، وأن التكتل الغربي من أعضاء الحلف الأطلنطي والاتحاد الأوروبي وبعض حلفائهم، يشكّل أقوى تكتل سياسيّ وعسكريّ واقتصاديّ بالوقت الحالي، بما يؤكد نجاح هذه التجربة على المدى الطويل.

وتوجد تجارب مهمة أخرى شهدت تقدماً اقتصاديّاً قويّاً سريعاً، وذلك في دولٍ ناميّة مثل سنغافورة وإندونيسيا وغيرهما، وهي لم تكن ديموقراطيّة بمعايير وتطبيقات الديموقراطيّة الغربيّة، وجاء النمو الاقتصادي السريع فيها بالسيطرة المركزيّة وتوجيه النُّظم الحاكمة في ظل وجود شخصيات قويّة على رأس الدول مثل لي كوان يو، تعمل وتسعى لحشد قوة البلاد، ولم شمل فئاتها وطوائفها المختلفة في سلة وطنيّة واحدة، ونجحت في الحفاظ على الاستقرار وتحقيق التنميّة بمزيجٍ من السلطة المركزيّة والانفتاح السياسي التدريجي البطيء.

ومِنْ التجارب المهمة الأخرى كانت الصين، تلك الدولة المُنتعشة والقريبة من الدول الناميّة لسنوات طويلة، التي نجحت في تخطي تحديات عاتيّة وعظيمة لضخامة عدد سكانها، فرفعت أكثر من 40 في المئة منهم من تحت خط الفقر، وفي الوقت نفسه طوَّرت قدراتها التكنولوجيّة والعسكرية، لتصبح مصدر قلق ليس فقط لجيرانها في آسيا، إنما كذلك على المستوى الدولي، من قِبل دول عظمى مثل الولايات المتحدة، ونجحت الصين في ذلك من دون أن تكون دولة ديموقراطية، وإن شهدت تداولاً للسلطة بين قيادات الحزب الشيوعي الصيني في مراحل مختلفة.

وتوجد الحالة الروسيّة، حتى بعد تفكك الاتحاد السوفياتي، والانكماش السريع لمواردها ونفوذها، التي شهدنا خلالها الحفاظ على قدرات عسكريّة واسعة، وتطوير تلك القدرات خلال الأعوام الماضية، رغم كل التحديات الدولية، ومحدوديّة قدراتها الاقتصاديّة مقارنة بدولٍ كبرى أخرى، فاستعادت روسيا قدراً طيباً من صحتها وعافيتها وبعض نفوذها السياسي.

كل هذه الأمثلة المُشار إليها، من الدول الناميّة أو في الصين أو روسيا، كان من الصعب تصوّر نجاحها على المدى القصير، وبالمعدلات السريعة التي شاهدناها، من دون وجود نظام قوي لدولة مركزية، ليوظِّف ويوجِّه آلياتها، ويستثمر مواردها بكفاءة ووفقاً لأولويات وطنيّة واضحة، وهو نظامٌ للحوكمة أثبت نجاحه في مواجهة الأزمات والطوارئ، ويُجرى اللجوء إليه حتى في الدّول الديموقراطيّة لفترات قصيرة للسيطرة على الأمور، عندما تواجه طوارئ وأزمات.

ومن ثمّ فالنجاح في تحقيق الاستقرار والتنميّة أو بناء القدرات العسكريّة ليس مقصوراً على تجربة من دون الأخرى، ومِن الخطأ قِصر البدائل المتاحة للنجاح على أنها بين البديل الغربي الليبرالي أو المركزي السلطوي فحسب، فضلاً عن أن الحوكمة الوطنيّة أو العلاقات الدوليّة يجب أن تُقيَّم على المدى الطويل، لا بمنظور قصير الأجل، حتى لا تحكمها ضغوط أو أوضاع سياسيّة مرحليّة، متأثرةً بأزمات وحاجات آنيّة سياسيّة أو أمنيّة أو اقتصاديّة، أو تحت رحمة مواءمات ومتطلبات ظروف انتخابيّة بين الحين والآخر، فتحقق نتائج لصالح جموع المجتمع تفرض على القيادات السياسيّة مراعاة اعتبارات اجتماعيّة واقتصاديّة متشعبة وترتيبات أمنيّة معقدة في آنٍ.

كما أن على القيادات السياسيّة الاستجابة إلى الحاجات العادلة والعاجلة لشعوبها من دون إغفال الاعتبارات الطويلة الأجل ومصالح الأجيال المقبلة، وعلى سبيل المثال لا يمكن تحديد سياسة إنفاق في مجال عسكري أو اقتصادي أو اجتماعي من دون تقدير تأثير ذلك في المجالات الأخرى.

ومِن الخطأ الإسراف المُبالغ فيه والاستدانة غير المحسوبة إرضاءً للمواطنين على المدى القصير، مع تحميل الأجيال القادمة أعباءً تقف أمام تحقيقهم طموحاتهم وأمنهم واستقرارهم.

ودفع التوتر الدولي الحالي، الذي شهد بروز تيارات انعزاليّة وعنصريّة مختلفة، ومخالفة كثير من الدول القانون الدولي، إلى اهتزاز الثقة بالمنظومة والقواعد الدولية، ويتساءل البعض عن مدى ملاءمة الاستمرار في محاولة تنظيم الحوكمة وفقاً لقوانين وقواعد علنيّة تتسم بالعدالة والمساواة، تعيش فيها الشعوب بحرية، وتُطرح كصيغة بديلة للإدارة المركزيّة المُطلقة، وهي خيارات تُطرح بقصر نظر، أو سوء نية، أو كليهما، في سياق الدعوة إلى تبني سياسة المصلحة الماديّة القصيرة الأجل والانعزاليّة من مؤيدي النظم المركزيّة تارة، ومِن قِبل سياسيين غربيين تارة أخرى.

وكلاهما يسعى بذلك للتغطيّة على تقصيره وحماية مصالحه، إذ تغفل الدّول المركزيّة السلطويّة الصناعيّة أنها شهدت تقلبات سياسيّة حتى قبل الدول الغربيّة الداعيّة إلى الديموقراطية، تمثّلت حينذاك في انحصار الدعوات إلى الشيوعيّة والاشتراكيّة وانهيار الكتلة الشرقية، بما فيها الاتحاد السوفياتي وانكماش نفوذها السياسي، فضلاً عن أن استعادة كثيرٍ من قدرتها الاقتصاديّة كانت بتطبيق نُظم اقتصاديّة متنافسة شبيهة بنظم اقتصاد السوق.

ومِن ناحيّة أخرى، أغفلت الولايات المتحدة والدّول الأوروبيّة أن انتخاباتها المعاصرة أفرزت نتائج وتيارات تعكس رفض مجتمعاتها النظم الوطنيّة المستقرة والسياسة الديموقراطيّة التقليديّة لسنوات طويلة.

كما يعيب على الدّول الغربيّة الليبراليّة أنها حاولت توظيف مفهوم (الحكم الرشيد الحرّ المبنيّ على القواعد)، لفرض منظوماتها الوطنيّة على دولٍ أخرى، لتحقيق مكاسب جيوبوليتيكيّة في ساحات عديدة وبعيدة، أيّ أنها وظّفت القانون الدولي لمخالفة عنصر مهم من قواعد القانون ذاته، وهو عدم التدخل في الشؤون الداخليّة للدول الأخرى.

كما أنَّ هذه الدول وآخرين أقوياء من أصحاب المنظومة المركزيّة لم يلتزموا بتطبيق هذه القواعد في العلاقات بين الدول من دون تمييز أو تفرقة، ولجؤوا إلى تقديرات وخلاصات أقلّ ما يمكن أن يقال عنها إنها متناقضة وغير موضوعية.

والخلاصة، إنّ النظم المركزيّة أقدر وأكفأ على المدى القصير في مواجهة الأزمات والطوارئ، إلا أنها يعيبها كبت الآراء الخلاقة، وكتم الروح التنافسيّة، لذا تنتهي إلى نتائج أضعف كثيراً من النظم الديموقراطية، والأكثر نجاحاً على المدى الطويل.

وأعتقدُ أنّ من مصلحة المجتمع الدولي أن نتعايش في ظل نظام قانوني عادل بحرية، وفقاً للقواعد والحقوق نفسها، وينطبق ذلك خصوصاً على الدول المتوسطة الحجم والقوة، التي لا يمكن أن تتحقق لها طموحاتها في إطار منظومة دوليّة أو وطنيّة تحكمها القوة العسكريّة والاقتصاديّة والسياسيّة للدول الأوسع سيطرة والأكثر قوة، فحصانتها وما يصحح دفة الميزان في العلاقات الدوليّة هو توافر قواعد وقوانين عادلة تُحترم من قِبل جميع الدول، الكبرى قبل الوسطى أو الصغرى، وتطبيق تلك القواعد والقوانين بموضوعيّة على الجميع ولصالح الكل.

يجب خلق ثقافة سياسيّة ومفاهيم للحوكمة الدوليّة والوطنيّة مبنيّة على (المصلحة المشتركة)، و(الأمن الجماعي)، وتغليب (قوة القانون) على (القوة الماديّة أو العسكريّة الجبرية)، ومع دمقرطة العلاقات الدوليّة في الوقت نفسه الذي نسعى فيه إلى دمقرطة نظمنا الوطنيّة من دون تدخلٍ أو عبثٍ من الغير.

×
أخبار
الصحة: ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,396 شهيدا الاتحاد الأوروبي ودول الخليج اتفقوا على تأجيل القمة المقرة بينهما في الرياض باكو: وفود عربية بيها فلسطين وتركيا وباكستان تغادر قاعة المؤتمر خلال كلمة هرتسوغ صندوق النقد الدولي يحذر من طول أمد الحرب والاضطرابات المتجددة كأكبر تهديد للشرق الأوسط آيزنكوت يتعهّد بهزيمة "حماس" خلال 18 شهراً بعد قضية المسبحة.."استقالة" وزير الأوقاف الفلسطيني نتنياهو وسموتريتش يعتزمان نشر نحو ألفَي مراقب في صناديق الاقتراع بالبلدات العربية هجوم حوثي على مقر أرامكو بالظهران يدمر مكاتب الرئيس التنفيذي وكبار المسؤولين مجلس سلام ترامب لديمومة الموت في غزة! قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس: اقتحامات واعتقالات ومواجهات تحقيق جديد في الكونغرس حول تضارب مصالح كوشنر واستثماراته الإسرائيلية والخليجية سي إن إن: أمريكا تضع خططاً لاستخدام "أم القنابل" ضد إيران وثائق كتبها مساعدو نتنياهو تكشف مسؤوليته عن إخفاق 7 أكتوبر وتناقض روايته حول حماس الغارديان: إسرائيل تعرقل إنشاء قاعدة لمجلس السلام في غزة ترامب: كان ينبغي الإبقاء على قادة إيران السابقين لأنني لا أعرف مع من نتفاوض صفقة الديزل الروسي تثير الجدل.. ترامب يحمل زيلينسكي مسؤولية حرب الطاقة ويدعم موسكو تقرير: سياسات إيران ومحورها أضرت بالفلسطينيين وخدمت اليمين الإسرائيلي آيزنكوت يؤكد القدرة على هزيمة نتنياهو.. وينفي ادعاءاته بشأن عملية «البيجر» الأمم المتحدة ترصد غارات وقصفاً مكثفاً بجميع محافظات غزة وتطالب إسرائيل بوقف التضييق بالضفة باحث إسرائيلي: نتنياهو يصوغ «حقيقة بديلة» لهروب قيادته من مسؤولية إخفاق 7 أكتوبر السيسي يرد على سموتريتش برسالة إلى تل أبيب..ويؤكد موقف مصر مع فلسطين زيلنسكي: أشعر بالخيانة من قبل ترامب وهو لا يقف في الجانب الصحيح من التاريخ النقابة: جيش الاحتلال يشن حربا واسعة ضد الصحفيين الفلسطينيين لحجب جرائمها استطلاع عبري: قفزة في القوائم العربية وتقارب كبير بين المعارضة الصهيونية والتحالف الحاكم عشرات آلاف يتظاهرون في كولومبيا ضدّ الرئيس الجديد احتجاجا على سياستة الاجتماعية بيلاي: عقوبات ترامب على الجنائية الدولية غير قانونية..ربما رد فعل على خسارته نوبل أوباما: حكومة نتنياهو فقدت المبادئ الأخلاقية بتجاهلها حقوق الشعب الفلسطيني مصر تذكر ترامب بالتزامات خطة غزة بعد مرور عام على توقيع شرم الشيخ «أفريقيا كجبهة جديدة لحروب الشرق الأوسط»: ممر البحر الأحمر وأنماط الفوضى الجيوسياسية العالمية تقرير: كيف أعادت سلسلة الحسابات الخاطئة إشعال حرب السعودية في اليمن؟

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط