مجلس السلام تحول إلى مجلس لديمومة احتلال قطاع غزة..بدلا من العمل نحو تعافي قطاع غزة المبكر

التطرّف الفكري والإرهاب الدموي

التطرّف الفكري والإرهاب الدموي

تاريخ النشر: 2016-01-12 | 09:11

دعتني مكتبة الإسكندرية منذ أيام، الى حضور الدورة الثانية من مؤتمرها السنوي حول الإرهاب، وكان عنوانه هذا العام «صناعة التطرف والبحث في أساليب المواجهة الفكرية». ولا شك في أن التطرف تعبير سلوكي، أما الإرهاب فهو تعبير إجرامي، لذلك سعيت إلى ذلك المؤتمر الذي حضرته رموز من العالمين العربي والإسلامي وبعض الشخصيات من الدول الأوروبية. وكان دوري أن أترأس الجلسة الأولى التي تحدّث فيها ثلاثة مفكرين من مصر والجزائر ولبنان حول جذور التطرف ومشاهده المعاصرة، وقد حرصت على إعطاء ذلك الحشد الكبير من الحاضرين فرصة للمداخلات والحوارات تجاوزت نصف مدة الندوة بالكامل، وطرح الجميع رؤاهم وعبّر الكل عن آرائه، وكانت فرصة مناسبة في توقيت حسَّاس وخطير للتداول حول أهم قضايا العصر، ونعني به الإرهاب بتداعياته الخطيرة وملابساته غير المفهومة أحياناً. لكننا نعود لنقرر أنه ينمو في بيئة حاضنة وفي مناخ محدّد، بحيث تتميز الأجواء المحيطة بالجرائم الإرهابية بدرجة كبيرة من الأحقاد الدفينة أو التوترات الطارئة، وهي تحتاج بالتأكيد إلى نزعة إجرامية متأصّلة تدعو الإرهابي إلى أن يتصرف على النحو الذي نراه، ولقد خرجت من تلك الندوة بملاحظات عدة لعلّنا نطرح منها بعض النقاط المهمة مثل:

أولاً: إن الشعور بعدم جدوى الحياة ومحاصرة المتطرف بعوامل ضاغطة مادية ونفسية هو أمر ملحوظ، ولعلنا نتأمل الحالات التي أقدم فيها إرهابيون على الانتحار باستخدام أحزمة ناسفة أو تفجير ذاتي بقنبلة تطيح الإرهابي وبمن حوله. فالدراسات العلمية تؤكد أن مثل هذا الشخص يكون مأزوماً في حياته قادماً من بيئة مقهورة تحكمها الحاجة والعوز. ولاحظ بعض الخبراء في المؤتمر، أنه على رغم وجود بعض المواطنين من تركيا وماليزيا في تنظيم «داعش»، إلا أنه لم تُثبت أبداً مشاركة أي من مواطني هذين البلدين في عملية انتحارية واحدة، والسبب في ذلك أن الحياة في الدولتين أفضل وتحتاج إلى من يتمسّك بها ويعيش من أجلها ولا يضحّي بحياته دونها. لذلك، فإن عملية «التفجير الذاتي» هي قمة المأساة الإنسانية لأنها تعني أن الحياة والموت يستويان، ولا يخفى علينا أن من يقوم بمثل هذا التصرف الجنوني يكون قد خضع لسلسلة طويلة من عمليات غسل الدماغ والحقن الأيديولوجي. والغريب في الأمر، أن بعض من قاموا بعمليات انتحارية باسم تنظيم «داعش» كانوا قد التحقوا به قبل أسابيع قليلة فقط، بحيث جرى إعدادهم في فترة قصيرة للغاية تجعلنا ندهش كيف جرى ذلك الإعداد السريع لاتخاذ قرار بهذه الخطورة، حيث يدفع المرء حياته ثمناً لجنون فكري في لحظة واحدة!

ثانياً: إن الإرهاب هو سرطان العصر لأنه يعني تمرّد الخلايا الإرهابية على الجسد الإنساني وتدمير أجهزة المناعة فيه، والعبث بمقومات الدولة التي عرفها المجتمع الإنساني منذ فجر التاريخ. كما أن الإرهاب يستهدف مراكز الأعصاب السياسية والاقتصادية والثقافية. وهل نسينا ما قام به تنظيم «داعش» وتوابعه تجاه المتاحف التاريخية والآثار القديمة، في محاولة لطمس ذاكرة الشعوب والعبث بهويتها. وقد رأينا كيف حطموا رموز العصور المختلفة بكسر رقاب التماثيل وتدمير معالمها، بل زادوا على ذلك بضرب الآثار الإسلامية ذاتها وتحطيم الأضرحة والقبور والمزارات حتى وصلنا إلى ما يمكن تسميته بحرب المساجد. ولعلّنا نتذكر هنا، أن بعض عناصر التطرف في الفكر السلفي قد دعَّم نظرياً - ومن دون عنف - بعض التوجهات الفكرية التي تخدم التنظيمات الإرهابية من دون قصد، وهو أمر يجب الاحتراز منه والوعي بنتائجه.

ثالثاً: ما أكثر الندوات التي دُعيت إليها، والتي تنظّمها هيئات ومؤسسات حكومية وأهلية وتدور في معظمها حول قضية الإرهاب، باعتباره طاعون العصر الذي وفد علينا لكي نعيش من خلاله أجواء الحرب العالمية الثالثة من دون جيوش نظامية على النمط التقليدي للحروب، اكتفاءً بالكر والفر على امتداد ساحة العالمين العربي والإسلامي. وفي كل ندوة، يسهب المتحدثون ويفكر المنظرون ويتحدث الخبراء. ومع انتهاء تلك الندوة، نبدأ من الصفر ونعاود الكرة مجدداً، متصوّرين أن مواجهة الإرهاب يمكن أن تتم بالندوات السياسية والاجتماعات المتخصصة، بينما يحتاج الأمر إلى دراسات ذات طابع أكاديمي تقوم على العلوم العسكرية والمظاهر السلوكية، بل والعلوم الاجتماعية في مجملها لأننا أمام ظواهر غير مسبوقة تحتاج إلى تأصيل نظري ومسح ميداني مع إعلام قوي يكشف جيوب الإرهاب ويفضح مخططاته. على أن تقوم المنظمات الدولية والإقليمية بدور فاعل في توحيد الكلمة وإبراز حجم الأخطار واستبعاد الخلافات الثانوية من أجل الخطر الأصيل الذي لا يجب أن نغفل عنه.

رابعاً: لا أريد أن أزرع التشاؤم أو أوحي بما يخيف، لكنني أقول بوضوح إن من يتصوّر أن القضاء على الإرهاب أمر عاجل، فهو واهم لأننا أمام ظواهر معقدة. لذلك، فإننا نتوقع تصاعد وتيرته واشتداد أزمته، خصوصاً في ظل التصعيد الذي تشهده المنطقة حالياً بسبب تدهور العلاقات العربية - الإيرانية، خصوصاً بعد إعدام رجل الدين الشيعي نمر النمر الذي هو مواطن سعودي بالدرجة الأولى، بحيث يعتبر حكم القضاء السعودي شأناً داخلياً لا يجب التدخل فيه. لكن المسألة تزداد تعقيداً في ظل الأزمة السورية والوضع في اليمن، مع الدور الذي يلعبه الإرهاب على نحو لا يمكن تجاهله.

خامساً: إن صناعة الإرهاب لا يمكن أن تواجهها إلا صناعة من نوع آخر تكون ذات طابع سياسي واجتماعي وفكري، فالإرهاب صناعة الموت أما الثقافة والأدب والفن فهي صناعة الحياة، ولا يمكن أن يستقيم الأمران. لذلك، فإن المواجهة حتمية والصدام لا يمكن استبعاده لأن علاج ظاهرة الإرهاب يحتاج إلى أكثر من مرحلة، إحداها في المدى القصير وهي إجراء أمني قتالي لا يمكن تحاشيه، أما على المدى الطويل فإن الحل يكمن في حزمة من الإجراءات السياسية والفكرية والاجتماعية تقتحم الظاهرة في جوهرها وتكشف زيف الادعاءات التي يروّج لها أولئك الذين يستخدمون الإسلام الحنيف في محاولة لتطويع أحكامه والعبث بشريعته، استناداً إلى قصص وهمية وأحاديث مشكوك فيها من دون اعتبار لما جاء في القرآن الكريم والسُنة المطهرة. إن ما يقوم به الإرهابيون هو جريمة موجّهة ضد الدين قبل الدولة، حتى يجري تأليب الغرب علينا والقوى المعادية لنا، ولقد نجحوا في ذلك إلى حدّ كبير، فقد أصبحت صورة العربي عموماً والمسلم خصوصاً، صورة مشوّهة أمام الآخر، وأصبحنا المتهمين دائماً في كل جريمة بحيث يشار إلينا باعتبارنا نقف وراء الإرهاب وندعمه في كل وقت. فنحن دافعو الفاتورة المزدوجة في كل حين! لذلك، أصبح من المتعيّن علينا أن نواجه الموقف بشفافية ووضوح، وأن نخاطب العالم باللغة التي يفهمها اعتماداً على أدلة عقلية وليست روايات نقلية. إن خطابنا الخارجي يجب أن يمضي وفقاً للقواعد الحديثة في لغة العصر الذي نعيشه، وليس بترديد عبارات أو نصوص لا يؤمن بها الطرف الآخر.

سادساً: إن ألوان الطيف السياسي والديني في العالم العربي والإسلامي يجب أن تتضافر في مواجهة الظاهرة الإرهابية وترشيد التطرف الفكري، لذلك فإن التعليم يبدو أساسياً في هذا السياق لأننا لن نتقدم إلى الأمام إلا بالاعتماد على حرية الفكر واحترام خيارات كل طرف لخيارات الطرف الآخر مع الابتعاد من التعصب والتشنج والعناد. وعلى الجميع - مسلمين ومسيحيين - الوقوف بصلابة ومن دون تفرقة طائفية أو صراعات دينية، إذ إننا في قارب واحد، فإما أن ننجو كلنا أو نغرق جميعاً لا قدر الله.

سابعاً: إن مستقبل ظاهرة التطرف الفكري والإرهاب الدموي يحمل في طياته مفاجآت كثيرة، ويأتينا يومياً بجديد لأن طبيعة الحياة تقوم على الصراع، كما أن فلسفة الوجود تمضي وفقاً للتنميط والاختلاف. وعلينا أن نؤهل الأجيال المقبلة لغير ما كنا عليه، بحيث تكون قادرة على اقتحام المستقبل وارتياده بشجاعة وحصافة وحكمة. إننا لا نلقي المواعظ، لكننا نريد أن ندرك أن زوال الغمة ونهوض الأمة أمران متلازمان، فكلما مضينا على طريق التقدم كانت فرصتنا أكبر في الوصول إلى الغايات النبيلة التي يتطلّع إليها الإنسان العربي والمسلم.

هذه ملاحظات رأينا أن نتقدّم بها ونحن نناقش قضايا التطرف الفكري والإرهاب الدموي، وكان التحريض على اقتحام هذا الموضوع مرة أخرى نابعاً من ندوة عروس البحر الأبيض المتوسط في مكتبة الإسكندرية!

عن الحياة اللندنية

×
أخبار
الصحة: ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,396 شهيدا الاتحاد الأوروبي ودول الخليج اتفقوا على تأجيل القمة المقرة بينهما في الرياض باكو: وفود عربية بيها فلسطين وتركيا وباكستان تغادر قاعة المؤتمر خلال كلمة هرتسوغ صندوق النقد الدولي يحذر من طول أمد الحرب والاضطرابات المتجددة كأكبر تهديد للشرق الأوسط آيزنكوت يتعهّد بهزيمة "حماس" خلال 18 شهراً بعد قضية المسبحة.."استقالة" وزير الأوقاف الفلسطيني نتنياهو وسموتريتش يعتزمان نشر نحو ألفَي مراقب في صناديق الاقتراع بالبلدات العربية هجوم حوثي على مقر أرامكو بالظهران يدمر مكاتب الرئيس التنفيذي وكبار المسؤولين مجلس سلام ترامب لديمومة الموت في غزة! قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس: اقتحامات واعتقالات ومواجهات تحقيق جديد في الكونغرس حول تضارب مصالح كوشنر واستثماراته الإسرائيلية والخليجية سي إن إن: أمريكا تضع خططاً لاستخدام "أم القنابل" ضد إيران وثائق كتبها مساعدو نتنياهو تكشف مسؤوليته عن إخفاق 7 أكتوبر وتناقض روايته حول حماس الغارديان: إسرائيل تعرقل إنشاء قاعدة لمجلس السلام في غزة ترامب: كان ينبغي الإبقاء على قادة إيران السابقين لأنني لا أعرف مع من نتفاوض صفقة الديزل الروسي تثير الجدل.. ترامب يحمل زيلينسكي مسؤولية حرب الطاقة ويدعم موسكو تقرير: سياسات إيران ومحورها أضرت بالفلسطينيين وخدمت اليمين الإسرائيلي آيزنكوت يؤكد القدرة على هزيمة نتنياهو.. وينفي ادعاءاته بشأن عملية «البيجر» الأمم المتحدة ترصد غارات وقصفاً مكثفاً بجميع محافظات غزة وتطالب إسرائيل بوقف التضييق بالضفة باحث إسرائيلي: نتنياهو يصوغ «حقيقة بديلة» لهروب قيادته من مسؤولية إخفاق 7 أكتوبر السيسي يرد على سموتريتش برسالة إلى تل أبيب..ويؤكد موقف مصر مع فلسطين زيلنسكي: أشعر بالخيانة من قبل ترامب وهو لا يقف في الجانب الصحيح من التاريخ النقابة: جيش الاحتلال يشن حربا واسعة ضد الصحفيين الفلسطينيين لحجب جرائمها استطلاع عبري: قفزة في القوائم العربية وتقارب كبير بين المعارضة الصهيونية والتحالف الحاكم عشرات آلاف يتظاهرون في كولومبيا ضدّ الرئيس الجديد احتجاجا على سياستة الاجتماعية بيلاي: عقوبات ترامب على الجنائية الدولية غير قانونية..ربما رد فعل على خسارته نوبل أوباما: حكومة نتنياهو فقدت المبادئ الأخلاقية بتجاهلها حقوق الشعب الفلسطيني مصر تذكر ترامب بالتزامات خطة غزة بعد مرور عام على توقيع شرم الشيخ «أفريقيا كجبهة جديدة لحروب الشرق الأوسط»: ممر البحر الأحمر وأنماط الفوضى الجيوسياسية العالمية تقرير: كيف أعادت سلسلة الحسابات الخاطئة إشعال حرب السعودية في اليمن؟

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط