مجلس السلام تحول إلى مجلس لديمومة احتلال قطاع غزة..بدلا من العمل نحو تعافي قطاع غزة المبكر

الأقوى يكتب رواية الهيمنة بين الأقوياء والضعفاء

الأقوى يكتب رواية الهيمنة بين الأقوياء والضعفاء

تاريخ النشر: 2025-12-04 | 16:03

ثمّة شعور ثقيل يلاحق كل من يحاول الكتابة عن فلسطين في زمن اختناق الحقيقة؛ شعور يشبه الوقوف أمام ميزان مائل، تُوزَن فيه الكلمات قبل أن تُوزَن القضايا.

يكتب المرء وهو يدرك أن اللغة نفسها أصبحت ساحة حرب، وأن كل مفردة قد تُعامل كجريمة إذا لامست ما تخشاه الدول التي ترفع راية الحقوق وهي تمارس نقيضها. لذلك نعيد صياغة الجملة عشر مرات، ونحذف ونعدّل وكأننا نعبر حقل ألغام لغويًّا؛ فالرقابة لا تأتي دائمًا بزيّ شرطي، بل في هيئة قوانين «تحمي الأمن» وتُعطّل الضمير.

وهكذا ينتهي الكاتب إلى نصّين: واحد مُهذَّب بما يكفي ليعبر بوابات النشر وشهادة حسن السيرة السلوك، وآخر يظل حبيساً في درجٍ أو حاسوب، لأنه يقول الحقيقة كاملة؛ غير مُجتزئة أو مضبوعة بالقضاء الموظّف. نسخٌ لا يُفرج عنها خوفًا من أن تتحوّل الكلمة إلى تهمة، أو الرأي إلى ملف ينتهي بالسجن أو سحب الجنسية.

 ومع ذلك يبقى الأمل أن يأتي يوم تُكتب فيه الحقيقة عارية صمّاء متجاوزة كل الحواجز العسكرية والدعاوي القضائية، ودون أن يبحث صاحبها عن مظلّة تحميه من سطوة قوى العنجهية.

ومن هذا التوتر بين الحقيقة والخوف، يتقدّم سؤال الإرهاب وروايته: من يملك حق تعريفه؟ ومن يملك سلطة تجريم مقاومة الضعفاء وشرعنة هيمنة الأقوياء؟ هنا تتقاطع أفكار عدد من المفكرين الألمان والعالميين، لتكشف مفارقة جوهرية تفتح باب هذا المقال.

القوة ومعضلة تسمية الإرهاب

لطالما شكّل سؤال الإرهاب وتوصيفه محوراً أساسياً في التفكير السياسي المعاصر، خصوصاً حين يرتبط بميزان قوى مختلّ بين طرفين غير متساويين. وقد عبّر عدد من المفكرين عن هذه الإشكالية بصيغ مكثّفة تختصر المفارقة الأخلاقية في تسمية الإرهاب.

يقول «يورغن تودنهوفر»: «الحرب هي إرهاب الأغنياء، والإرهاب حرب الفقراء»، بينما قال «بيتر أوستينوف» ذو الأصول اليهودية فكرة مشابهة: «الإرهاب حرب الضعفاء، والحرب إرهاب الأقوياء».

ومن زاوية تحليلية، يوضّح الباحث الألماني «هيرفريد مونكلر» أن الدولة قد تمارس ما يمكن وصفه بـ «إرهاب الدولة» حين تتجاوز حدود الشرعية أو تستخدم قوتها المفرطة بما يتجاز الضرورة. هنا لا تُعرَّف الأفعال انطلاقًا من طبيعتها، بل من موقع الفاعل داخل منظومة السلطة ومن قدرته على التحكّم بالرواية.

الإرهاب بين الرواية والشرعية

يتعمّق هذا النقاش حين نعود إلى قراءات مفكرين عالميين مثل «فرانز فانون» و«جان-بول سارتر»، اللذين درسا علاقة المستعمِر بالمستعمَر وكيف يفرض الأقوى تعريفه للإرهاب بوصفه «شرعياً»، بينما تُجرّم أشكال الدفاع عن النفس بوصفها «تطرّفًا». أما المفكر الأميركي اليهودي «نعوم تشومسكي» فيمدّ هذا الخطّ التحليلي ليقول إن الدولة الحديثة تمتلك من الأدوات الإعلامية والدبلوماسية ما يمكّنها من احتكار التصنيف الأخلاقي للإرهاب، بحيث يصبح واحداً حين يمارسه الضعفاء، وشيئاً آخر حين يمارسه الأقوياء.

وبذلك يتحوّل توصيف الفعل ذاته إلى ساحة صراع: ليس بين أفعال متباينة، بل بين روايات متنازعة على المعنى.

اختلال  القوة وسيطرت اللغة

حين ننقل هذا الإطار إلى الواقع العربي في الشرق الأوسط، في فلسطين، لبنان، سوريا، اليمن والسودان، تتحوّل اللغة إلى أداة لتحديد من يسمّى إرهابياً ومن يُسمّى مُقاوما. إذ يُعاد تعريف القوة بأنها «دفاع»، ويُعاد تعريف المقاومة بأنها «إرهاب»، بينما تُهمّش كل محاولة لقراءة ميزان القوة بوصفه عنصراً مركزيا في فهم طبيعة الإرهاب. هذا التشويه في اللغة لا يعكس فقط اختلال القوة على الأرض، بل يعكس أيضاً اختلالًا في النظام الأخلاقي العالمي الذي يمنح الأقوى حق الرواية، ويترك الطرف الأضعف محاصراً بتهم مُعلّبة جاهزة للتداول.

هنا تتبدّى قيمة المقاربات التي طرحها «تودنهوفر»، «أوستينوف» و «مونكلر»: فالمسألة ليست توصيفاً أدبياً، بل تفسيراً سياسياً لاستراتيجية تُعيد صياغة المفردات كي تُبرر عنفاً وتقمع آخر.

جدلية الأخلاق والمعايير

يفتح هذا الجدل الباب أمام سؤال أخلاقي أوسع: هل يستطيع العالم إنتاج معيار واحد لتوصيف العنف، أم أن النظام الدولي سيظلّ مرهوناً لسياسة القوة التي تمنح الأقوياء امتياز إعادة تعريف كل شيء؟ من الحق إلى الأمن إلى الأخلاق.

كمثال معاصر على كيفية استخدام السلطة لتحديد معنى الإرهاب، قام ترامب عملياً بتصنيف فروع جماعة الإخوان المسلمين ضمن المنظمات «الأرهابية»، فيما وصف نتنياهو الجماعة بطريقة تهدف إلى ترهيبها وممارسة الضغوط السياسية عليها، فضلا عن إغلاق مكاتبها ومنع نشاطها في جُلّ الدول العربية.

وهذا يظهر كيف أن الأقوى هو الذي يمتلك السلطة لتسمية الأشياء وفق مصالحه.

إن أصواتاً يهودية ومعرفية بارزة، مثل «تشومسكي» تذكّر بأن نقد سياسات حكومية لا يمت بصلة إلى أي عداء ديني أو ثقافي، بل إلى مبدأ كوني بسيط: لا يجوز أن يتحوّل القانون إلى غطاء، ولا أن تُختطف اللغة لتبرير سطوة من يمتلك القوة.

وبين رواية تملك السلاح والهيمنة غير المحدودة والغطاء السياسي بالنفوذ والأدوات الإعلامية التي تحترف تزييف الحقيقة وقلب المفاهيم لتمكين الحرب على الوعي الجمعي، ورواية لا تملك غير الأرض والألم وفجيعة في الصباح والمساء وانعدام النعم، وخيانة القريب والبعيد، يبقى السؤال معلّقاً حتى إشعار آخر: من يملك الحق في تسمية الحقيقة؟ ومن يملك الشجاعة لقولها؟

×
أخبار
دبلوماسيان أمريكيان يحذران: تراجع الدعم الأمريكي لإسرائيل يهدد مكانتها الاستراتيجية ووجودها باهتة وغير حاسمة.. خبير بريطاني يحلل أسباب تعثر القوة الجوية الأمريكية والإسرائيلية ضد إيران "خسائر بمئات المليارات": تحولات ديموغرافية تهدد الاقتصاد الإسرائيلي ليبرمان يرفض دعم حكومة أقلية ويتعهد بائتلاف "صهيوني حصراً" استهداف قصر معاشيق الرئاسي في عدن بـ 4 صواريخ باليستية وتصاعد كثيف للدخان نتنياهو: أمليت موقفي على الشرع في مكالمة قصيرة وواضحة لوقف استهداف الدروز في خطوة تاريخية.. رابطة أمريكية للعلوم السياسية تصويت بالأغلبية لصالح المقاطعة الأكاديمية لإسرائيل مجلس السلام يعلن استكمال آليات الرقابة والمعايير المالية لتنفيذ خطة غزة السيسي: أمن السعودية ودول الخليج خط أحمر واستقرار غزة والسودان وليبيا من مقتضيات الأمن القومي العربي شبكة إعلانات إسرائيلية تتجسس على ملايين المستخدمين والمؤسسات الدولية لصالح شركات اختراق وتجسس تقرير حقوقي يكشف شهادات حول إطلاق حراس سجون الاحتلال النار على الأسرى الفلسطينيين داخل الزنازين نتنياهو يعلن إنشاء جدار أمني ضخم على الحدود الشرقية من اليرموك إلى إيلات ملادينوف يعلن تعليق تنسيق البضائع للقطاع الخاص بغزة ويدعو للإسراع بانتشار القوة الدولية الاتحاد الأوروبي ودول الخليج اتفقوا على تأجيل القمة المقرة بينهما في الرياض باكو: وفود عربية بيها فلسطين وتركيا وباكستان تغادر قاعة المؤتمر خلال كلمة هرتسوغ صندوق النقد الدولي يحذر من طول أمد الحرب والاضطرابات المتجددة كأكبر تهديد للشرق الأوسط الصحة: ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,396 شهيدا آيزنكوت يتعهّد بهزيمة "حماس" خلال 18 شهراً بعد قضية المسبحة.."استقالة" وزير الأوقاف الفلسطيني نتنياهو وسموتريتش يعتزمان نشر نحو ألفَي مراقب في صناديق الاقتراع بالبلدات العربية هجوم حوثي على مقر أرامكو بالظهران يدمر مكاتب الرئيس التنفيذي وكبار المسؤولين مجلس سلام ترامب لديمومة الموت في غزة! قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس: اقتحامات واعتقالات ومواجهات تحقيق جديد في الكونغرس حول تضارب مصالح كوشنر واستثماراته الإسرائيلية والخليجية سي إن إن: أمريكا تضع خططاً لاستخدام "أم القنابل" ضد إيران وثائق كتبها مساعدو نتنياهو تكشف مسؤوليته عن إخفاق 7 أكتوبر وتناقض روايته حول حماس الغارديان: إسرائيل تعرقل إنشاء قاعدة لمجلس السلام في غزة ترامب: كان ينبغي الإبقاء على قادة إيران السابقين لأنني لا أعرف مع من نتفاوض صفقة الديزل الروسي تثير الجدل.. ترامب يحمل زيلينسكي مسؤولية حرب الطاقة ويدعم موسكو تقرير: سياسات إيران ومحورها أضرت بالفلسطينيين وخدمت اليمين الإسرائيلي

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط