مجلس السلام تحول إلى مجلس لديمومة احتلال قطاع غزة..بدلا من العمل نحو تعافي قطاع غزة المبكر

الأقصى بين القيود المتحركة ومعركة السيادة على القدس

لم يعد السؤال المتعلق بإجراءات الاحتلال في المسجد الأقصى سؤالاً إدارياً أو أمنياً عابراً بل أصبح مدخلاً أساسياً لفهم طبيعة الصراع على القدس وهويتها فكل تغيير يطرأ على أبواب المسجد الأقصى أو على آليات الدخول إليه لا يأتي بمعزل عن حسابات سياسية وأمنية ودينية متشابكة، بل يعكس رؤية الاحتلال لمستقبل المدينة ولموقع الأقصى في مشروعه الاستيطاني.

ومن هنا، فإن المشهد في القدس لا يخضع لقواعد ثابتة أو معايير مستقرة إذ تتبدل الإجراءات باستمرار تبعاً للظروف الميدانية وحسب المناخ الاقليمي، وتُعاد صياغة القيود بصورة متواصلة بما يحقق هدفاً استراتيجياً واضحاً يتمثل في إحكام السيطرة على المسجد الأقصى، وتقليص الحضور الفلسطيني فيه، وتهيئة الظروف لفرض وقائع جديدة على الأرض بصورة تدريجية ومتراكمة والسيطرة التامة على القدس.

القيود في الأقصى.. سياسة متحركة لا إجراءات مؤقتة

يعتمد الاحتلال في تعامله مع المسجد الأقصى على منظومة مرنة من الإجراءات تتغير أشكالها بشكل مستمر لكن جوهرها يبقى واحداً، فالقيود قد تظهر على هيئة تشديد أمني عند مداخل البلدة القديمة أو من خلال منع فئات عمرية محددة من الوصول إلى المسجد الأقصى، أو عبر احتجاز الهويات الشخصية، أو تكثيف عمليات التفتيش والاستجواب وفي أحيان كثيرة، لا تُعلن هذه الإجراءات بصورة رسمية، بل تُطبق ميدانياً بشكل مفاجئ، الأمر الذي يجعل الوصول إلى المسجد الأقصى مرهوناً بالتقديرات الأمنية الآنية ويحول أداء الصلاة إلى رحلة يومية مليئة بالعقبات والحواجز والتعقيدات.

كما أن الاحتلال يلجأ أحياناً إلى التخفيف النسبي لبعض القيود، قبل أن يعيد فرضها بصورة تصاعدية وبشكل شديد عند أي تطور سياسي أو أمني، ما يؤكد أن السياسة المتبعة ليست رد فعل طارئاً وإنما أداة دائمة لإدارة الصراع داخل القدس.

والسؤال هنا ما العوامل التي تتحكم بتشديد الإجراءات أو تخفيفها؟

وهنا سأقوم بعرض عدة نقاط :

النقطة الأولى : التطورات الأمنية والميدانية : يُعد الواقع الميداني العامل الأكثر تأثيراً في طبيعة القيود المفروضة على الأقصى فعند وقوع عمليات أو اندلاع مواجهات أو تصاعد الدعوات الشعبية للنفير والرباط تتجه سلطات الاحتلال مباشرةً إلى فرض إجراءات أكثر صرامة، تشمل تشديد الحصار على القدس وزيادة أعداد القوات المنتشرة وفرض قيود إضافية على دخول المصلين، و حتى في فترات الهدوء النسبي لا تختفي القيود بصورة كاملة بل يجري استبدالها بأدوات أقل ظهوراً وأكثر استدامة.

النقطة الثانية: الحسابات السياسية الإسرائيلية : ترتبط قضية الأقصى أيضاً بالتجاذبات السياسية داخل كيان الاحتلال فكثيراً ما تستخدم الحكومات اليمينية ملف القدس لإرضاء قواعدها الانتخابية والقوى الدينية المتشددة خاصة في أوقات الأزمات الداخلية أو التراجع الشعبي وفي مثل هذه الحالات، تصبح الإجراءات المشددة في الأقصى جزءاً من رسائل سياسية موجهة إلى الجمهور الإسرائيلي، أكثر من كونها استجابة لمستجدات ميدانية.

النقطة الثالثة: مواسم الاقتحامات والأعياد اليهودية : تشهد الأعياد والمناسبات الدينية اليهودية عادةً تصعيداً واضحاً في القيود المفروضة على أبناء شعبنا الفلسطيني داخل القدس، حيث تتحول البلدة القديمة إلى ثكنة عسكرية شبه مغلقة وتُفرض قيود على الدخول وتُكثف الاعتداءات الشرطية عند أبواب المسجد الأقصى ويأتي ذلك في إطار توفير بيئة مريحة لقطعان المستوطنين التي تنفذ اقتحامات واسعة للمسجد الأقصى، في محاولة لتكريس وجود دائم داخل باحاته.

القيود متعددة الأشكال والهدف واحد

لا تقتصر سياسة التضييق على قرارات المنع المباشر فقط بل تمتد إلى مستويات مختلفة ومتوازية فهناك قيود جغرافية تمنع الآلاف من أبنا شعبنا الفلسطيني من الوصول إلى القدس أساساً عبر الحواجز العسكرية ونظام التصاريح الصارم وهناك قيود زمنية تتحكم بأوقات الدخول والخروج، إضافة إلى القيود النفسية المتمثلة في التفتيش المهين والملاحقة والاعتقالات المتكررة ويُعد الأخطرفي ذلك البعد القانوني والإداري إذ يستخدم الاحتلال أوامر الإبعاد وملفات التحريض والقرارات القضائية لتفكيك الحضور الفلسطيني المنظم داخل المسجد الأقصى واستهداف المرابطين والناشطين وحراس الأقصى ، وبذلك لا يقتصر الصراع على المواجهة الميدانية المباشرة، بل يمتد إلى محاولة خلق واقع طويل الأمد يحد من الوجود الفلسطيني الفاعل داخل المسجد الأقصى المبارك.


بعد كل مواجهة.. تتبدل الأدوات ولا يتغير الهدف

أثبتت التجارب المتعاقبة أن الاحتلال يعيد مراجعة أساليبه بعد كل هبة شعبية أو مواجهة واسعة في مدينة القدس فإذا واجه الإغلاق الشامل رفضاً واسعاً ينتقل إلى سياسة الإغلاق الجزئي وإذا لم تحقق القيود العمرية أهدافها يلجأ إلى الاعتقالات الوقائية أو الإبعادات الفردية وهذا يعكس عملية مستمرة من إعادة هندسة أدوات السيطرة بما يضمن تقليل كلفة الإجراءات على الاحتلال، وزيادة فعاليتها في الوقت ذاته.

هل يعني تخفيف القيود حدوث تراجع حقيقي؟

في كثير من الأحيان يُنظر إلى تخفيف بعض الإجراءات باعتباره تراجعاً إسرائيلياً، إلا أن القراءة المتأنية في ذلك تشير إلى أن ما يحدث غالباً هو إعادة تموضع وليس انسحاباً فعلياً فقد يُسمح لفئات إضافية بالدخول بينما تستمر الاقتحامات أو تُخفف القيود عند أبواب المسجد الأقصى مع الإبقاء على الحصار المفروض على محيط القدس والضفة الغربية، لذلك، فإن تقييم أي تغيير في الإجراءات يجب أن يأخذ بعين الاعتبار السياق العام، لا المظاهر الظاهرية فقط.

السؤال الأخير كيف يمكن فهم أي إجراء جديد لسلطات الاحتلال على القدس؟

إن القراءة الدقيقة لأي قرار يتعلق بالأقصى تتطلب الإجابة عن عدة أسئلة أساسية: من هي الفئة المستهدفة؟ وما توقيت القرار؟ وما الذي يجري داخل المسجد الأقصى في الفترة نفسها؟ وهل هذا الإجراء مؤقت أم قابل للتحول إلى سياسة دائمة؟ فالإجراءات التي تبدو محدودة في ظاهرها قد تتحول مع مرور الوقت إلى واقع ثابت إذا لم تواجه برفض شعبي وسياسي وإعلامي مستمر.

ختاماً يبقى المسجد الأقصى رغم كل محاولات الحصار والتقييد، عنواناً مركزياً للصراع على القدس والهوية والسيادة فالاحتلال يغيّر أدواته باستمرار لأنه لم يتمكن من حسم معركة الإرادة والانتماء ولأن الحضور الفلسطيني المتجذر في المدينة لا يزال يشكل العقبة الأبرز أمام مشاريع فرض الوقائع الجديدة ، ومن هنا فإن متابعة التحولات في القيود المفروضة على الأقصى ليست مجرد رصد لإجراءات أمنية متغيرة بل هي قراءة لمسار سياسي متكامل يستهدف إعادة تشكيل الواقع في القدس وبين تشديد مؤقت وتخفيف مرحلي، يبقى الثابت الأهم أن المسجد الأقصى سيظل محوراً حياً للهوية الوطنية والدينية، وأن الحفاظ على مكانته يبدأ برفض تحويل القيود الاستثنائية إلى أمر اعتيادي أو واقع دائم.

×
أخبار
باكو: وفود عربية بيها فلسطين وتركيا وباكستان تغادر قاعة المؤتمر خلال كلمة هرتسوغ صندوق النقد الدولي يحذر من طول أمد الحرب والاضطرابات المتجددة كأكبر تهديد للشرق الأوسط آيزنكوت يتعهّد بهزيمة "حماس" خلال 18 شهراً بعد قضية المسبحة.."استقالة" وزير الأوقاف الفلسطيني نتنياهو وسموتريتش يعتزمان نشر نحو ألفَي مراقب في صناديق الاقتراع بالبلدات العربية هجوم حوثي على مقر أرامكو بالظهران يدمر مكاتب الرئيس التنفيذي وكبار المسؤولين مجلس سلام ترامب لديمومة الموت في غزة! قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس: اقتحامات واعتقالات ومواجهات تحقيق جديد في الكونغرس حول تضارب مصالح كوشنر واستثماراته الإسرائيلية والخليجية سي إن إن: أمريكا تضع خططاً لاستخدام "أم القنابل" ضد إيران وثائق كتبها مساعدو نتنياهو تكشف مسؤوليته عن إخفاق 7 أكتوبر وتناقض روايته حول حماس الغارديان: إسرائيل تعرقل إنشاء قاعدة لمجلس السلام في غزة ترامب: كان ينبغي الإبقاء على قادة إيران السابقين لأنني لا أعرف مع من نتفاوض صفقة الديزل الروسي تثير الجدل.. ترامب يحمل زيلينسكي مسؤولية حرب الطاقة ويدعم موسكو تقرير: سياسات إيران ومحورها أضرت بالفلسطينيين وخدمت اليمين الإسرائيلي آيزنكوت يؤكد القدرة على هزيمة نتنياهو.. وينفي ادعاءاته بشأن عملية «البيجر» الأمم المتحدة ترصد غارات وقصفاً مكثفاً بجميع محافظات غزة وتطالب إسرائيل بوقف التضييق بالضفة باحث إسرائيلي: نتنياهو يصوغ «حقيقة بديلة» لهروب قيادته من مسؤولية إخفاق 7 أكتوبر السيسي يرد على سموتريتش برسالة إلى تل أبيب..ويؤكد موقف مصر مع فلسطين زيلنسكي: أشعر بالخيانة من قبل ترامب وهو لا يقف في الجانب الصحيح من التاريخ النقابة: جيش الاحتلال يشن حربا واسعة ضد الصحفيين الفلسطينيين لحجب جرائمها استطلاع عبري: قفزة في القوائم العربية وتقارب كبير بين المعارضة الصهيونية والتحالف الحاكم عشرات آلاف يتظاهرون في كولومبيا ضدّ الرئيس الجديد احتجاجا على سياستة الاجتماعية بيلاي: عقوبات ترامب على الجنائية الدولية غير قانونية..ربما رد فعل على خسارته نوبل أوباما: حكومة نتنياهو فقدت المبادئ الأخلاقية بتجاهلها حقوق الشعب الفلسطيني مصر تذكر ترامب بالتزامات خطة غزة بعد مرور عام على توقيع شرم الشيخ «أفريقيا كجبهة جديدة لحروب الشرق الأوسط»: ممر البحر الأحمر وأنماط الفوضى الجيوسياسية العالمية تقرير: كيف أعادت سلسلة الحسابات الخاطئة إشعال حرب السعودية في اليمن؟ الصراعات الإقليمية وتعطل الممرات البحرية يجبران الاقتصاد العالمي على الاعتراف بـ «سطوة الجغرافيا» زامير يصادق على خطط عسكرية في الضفة: "جاهزون لعمليات هجومية واسعة"

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط