مجلس السلام تحول إلى مجلس لديمومة احتلال قطاع غزة..بدلا من العمل نحو تعافي قطاع غزة المبكر

اقتصاد غزة بعد الحرب.. رؤية تتجاوز الإعمار

اقتصاد غزة بعد الحرب.. رؤية تتجاوز الإعمار

تاريخ النشر: 2026-07-16 | 04:19

د. سمير أبو مدللة
د. سمير أبو مدللة

بعد أكثر من عامين ونصف من العدوان، لم يعد السؤال الاقتصادي الأكثر إلحاحا هو كم ستبلغ تكلفة إعادة إعمار غزة؟ وإنما: أي اقتصاد نريد أن نبنيه بعد الحرب؟

لقد اعتاد العالم، في أعقاب الحروب والكوارث الكبرى أن يركز على إعادة بناء المنازل والطرق وشبكات الكهرباء والمياه، وهي مهمة لا غنى عنها لاستعادة الحد الأدنى من مقومات الحياة.

غير أن التجارب الدولية أثبتت أن إعادة إعمار الحجر لا تعني بالضرورة إعادة بناء الاقتصاد، فالمباني يمكن تشييدها خلال سنوات، أما الاقتصاد المنتج فيحتاج إلى رؤية واضحة ومؤسسات فاعلة واستثمارات مستدامة وسياسات قادرة على خلق فرص العمل وتحقيق النمو.

وتشير أحدث تقديرات البنك الدولي والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي إلى أن احتياجات التعافي وإعادة الإعمار في قطاع غزة تتجاوز 73 مليار دولار، فيما بلغت قيمة الأضرار المباشرة التي لحقت بالمباني والبنية التحتية نحو 30 مليار دولار، إضافة إلى خسائر اقتصادية نتيجة توقف الإنتاج وتعطل الأنشطة الاقتصادية وانهيار قطاعات واسعة من الاقتصاد.

كما سجل الاقتصاد الغزي خلال العدوان انكماشا غير مسبوق بلغ نحو 83% في 2024 على أساس سنوي، وفق تقديرات مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد)، وهو من أشد معدلات الانكماش الاقتصادي التي شهدها العالم في مناطق الصراع خلال العقود الأخيرة.

وفي المقابل، تعرض اقتصاد الضفة الغربية لتباطؤ حاد نتيجة القيود المفروضة على الحركة والتجارة والاستثمار وارتفاع معدلات البطالة وتراجع النشاط الاقتصادي، الأمر الذي عمّق الأزمة الاقتصادية الفلسطينية بصورة غير مسبوقة.

غير أن ضخ الأموال وحده لن يكون كافيا إذا لم يقترن بخطة اقتصادية وطنية واضحة، تحول عملية الإعمار من مشروع إنشائي مؤقت إلى مشروع تنموي طويل الأجل. فإعادة بناء ما كان قائما قبل الحرب بكل ما حمله من اختلالات هيكلية، تعني ببساطة إعادة إنتاج الأزمة ذاتها.

لقد كشفت الحرب هشاشة النموذج الاقتصادي الذي عاشه قطاع غزة خلال السنوات الماضية، حيث اعتمد بدرجة كبيرة على المساعدات الإنسانية والتحويلات الخارجية، بينما تراجعت مساهمة القطاعات الإنتاجية وفي مقدمتها الزراعة والصناعة وانخفض الاستثمار وارتفعت معدلات الفقر والبطالة إلى مستويات غير مسبوقة.

واليوم، يقف الفلسطينيون أمام فرصة تاريخية، رغم قسوة الظروف، لإعادة التفكير في شكل الاقتصاد الذي يريدونه. فالهدف لا ينبغي أن يقتصر على إعادة ما كان قائما قبل الحرب وإنما يجب أن يكون بناء اقتصاد أكثر قدرة على الصمود وأكثر تنوعا وأقل اعتمادا على المساعدات الخارجية وأكثر ارتباطا بالإنتاج والمعرفة والابتكار.

ويبدأ هذا التحول بإعادة الاعتبار للقطاعات الإنتاجية، فالقطاع الزراعي يمثل ركيزة أساسية لتعزيز الأمن الغذائي وتقليل الاعتماد على الواردات، بينما يشكل القطاع الصناعي محركا رئيسيا لتوفير فرص العمل وزيادة القيمة المضافة.

كما ينبغي إعطاء أولوية خاصة للمشروعات الصغيرة والمتوسطة، التي تشكل أكثر من 90% من منشآت القطاع الخاص الفلسطيني، وتعد العمود الفقري لأي اقتصاد يسعى إلى التعافي السريع وتحقيق التنمية المستدامة.

وفي الوقت نفسه، يبرز الاقتصاد الرقمي بوصفه أحد أكثر القطاعات قدرة على النمو حتى في ظل محدودية الموارد. فالاستثمار في البرمجيات والخدمات الرقمية والعمل عن بعد وريادة الأعمال التكنولوجية يمكن أن يفتح آفاقا جديدة أمام الشباب الفلسطيني ويعزز اندماج الاقتصاد الفلسطيني في الاقتصاد العالمي، رغم القيود المفروضة على الحركة والتنقل.

ولا تقل أهمية عن ذلك عملية إصلاح البيئة الاقتصادية والمؤسسية، من خلال تبسيط الإجراءات وتعزيز الشفافية وتحسين مناخ الاستثمار وتمكين القطاع الخاص من أداء دوره شريكا رئيسيا في التنمية. كما أن الجامعات ومراكز الأبحاث مطالبة بأن تتحول إلى بيوت خبرة تقدم دراسات وسياسات مبنية على الأدلة وتربط التعليم والبحث العلمي باحتياجات الاقتصاد الفلسطيني.

ومن جهة أخرى، فإن المجتمع الدولي مدعو إلى الانتقال من منطق التمويل الإغاثي قصير الأجل إلى الاستثمار في التنمية المستدامة. فكل دولار يستثمر في التعليم والإنتاج والتكنولوجيا والبنية الاقتصادية يحقق عائدا مضاعفا مقارنة بالاعتماد المستمر على المساعدات الاستهلاكية مهما بلغت أهميتها في المراحل الطارئة.

ولعل نجاح أي خطة اقتصادية يتطلب رؤية وطنية موحدة تنسق بين الحكومة والقطاع الخاص والجامعات ومراكز الدراسات والنقابات ومؤسسات المجتمع المدني، بما يضمن توجيه الموارد نحو المشاريع الأكثر قدرة على تحقيق النمو ورفع الإنتاجية وتوفير فرص العمل وتعزيز صمود المجتمع الفلسطيني.

إن غزة لا تحتاج إلى إعادة إعمار ما هدمه العدوان فحسب، وإنما تحتاج إلى إعادة بناء نموذجها الاقتصادي على أسس الإنتاج والمعرفة والاستدامة. فالمساعدات قد تخفف المعاناة لكنها لا تصنع اقتصادا والإعمار قد يعيد المباني لكنه لا يضمن التنمية. وحدها الرؤية الاقتصادية الواضحة والإدارة الرشيدة والشراكة الحقيقية بين الدولة والقطاع الخاص والمجتمع، هي القادرة على تحويل المأساة إلى فرصة للنهوض.

وقد تدمر الحروب المدن في سنوات، لكن بناء الاقتصاد يحتاج إلى رؤية تتجاوز الإعمار وإرادة تجعل الإنسان المنتج حجر الأساس في نهضة الوطن.

*جامعة الأزهر– غزة

عضو الأمانة العامة لاتحاد الاقتصاديين الفلسطينيين

×
أخبار
الصحة: ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,396 شهيدا الاتحاد الأوروبي ودول الخليج اتفقوا على تأجيل القمة المقرة بينهما في الرياض باكو: وفود عربية بيها فلسطين وتركيا وباكستان تغادر قاعة المؤتمر خلال كلمة هرتسوغ صندوق النقد الدولي يحذر من طول أمد الحرب والاضطرابات المتجددة كأكبر تهديد للشرق الأوسط آيزنكوت يتعهّد بهزيمة "حماس" خلال 18 شهراً بعد قضية المسبحة.."استقالة" وزير الأوقاف الفلسطيني نتنياهو وسموتريتش يعتزمان نشر نحو ألفَي مراقب في صناديق الاقتراع بالبلدات العربية هجوم حوثي على مقر أرامكو بالظهران يدمر مكاتب الرئيس التنفيذي وكبار المسؤولين مجلس سلام ترامب لديمومة الموت في غزة! قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس: اقتحامات واعتقالات ومواجهات تحقيق جديد في الكونغرس حول تضارب مصالح كوشنر واستثماراته الإسرائيلية والخليجية سي إن إن: أمريكا تضع خططاً لاستخدام "أم القنابل" ضد إيران وثائق كتبها مساعدو نتنياهو تكشف مسؤوليته عن إخفاق 7 أكتوبر وتناقض روايته حول حماس الغارديان: إسرائيل تعرقل إنشاء قاعدة لمجلس السلام في غزة ترامب: كان ينبغي الإبقاء على قادة إيران السابقين لأنني لا أعرف مع من نتفاوض صفقة الديزل الروسي تثير الجدل.. ترامب يحمل زيلينسكي مسؤولية حرب الطاقة ويدعم موسكو تقرير: سياسات إيران ومحورها أضرت بالفلسطينيين وخدمت اليمين الإسرائيلي آيزنكوت يؤكد القدرة على هزيمة نتنياهو.. وينفي ادعاءاته بشأن عملية «البيجر» الأمم المتحدة ترصد غارات وقصفاً مكثفاً بجميع محافظات غزة وتطالب إسرائيل بوقف التضييق بالضفة باحث إسرائيلي: نتنياهو يصوغ «حقيقة بديلة» لهروب قيادته من مسؤولية إخفاق 7 أكتوبر السيسي يرد على سموتريتش برسالة إلى تل أبيب..ويؤكد موقف مصر مع فلسطين زيلنسكي: أشعر بالخيانة من قبل ترامب وهو لا يقف في الجانب الصحيح من التاريخ النقابة: جيش الاحتلال يشن حربا واسعة ضد الصحفيين الفلسطينيين لحجب جرائمها استطلاع عبري: قفزة في القوائم العربية وتقارب كبير بين المعارضة الصهيونية والتحالف الحاكم عشرات آلاف يتظاهرون في كولومبيا ضدّ الرئيس الجديد احتجاجا على سياستة الاجتماعية بيلاي: عقوبات ترامب على الجنائية الدولية غير قانونية..ربما رد فعل على خسارته نوبل أوباما: حكومة نتنياهو فقدت المبادئ الأخلاقية بتجاهلها حقوق الشعب الفلسطيني مصر تذكر ترامب بالتزامات خطة غزة بعد مرور عام على توقيع شرم الشيخ «أفريقيا كجبهة جديدة لحروب الشرق الأوسط»: ممر البحر الأحمر وأنماط الفوضى الجيوسياسية العالمية تقرير: كيف أعادت سلسلة الحسابات الخاطئة إشعال حرب السعودية في اليمن؟

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط