مجلس السلام تحول إلى مجلس لديمومة احتلال قطاع غزة..بدلا من العمل نحو تعافي قطاع غزة المبكر

إعادة فلسطين الى رأس الأجندة الدولية

صمود غزة ومقاومتها على رغم الاكلاف الغالية أفشل اهداف إسرائيل بشكل فادح وأربك سياسييها، والأهم انه فاجأ الجميع بإعادة فلسطين الى رأس اجندة القضايا الاقليمية والدولية، بعد ان أُزيحت جانباً. الملفات والقضايا المفتوحة والنازفة في المنطقة في السنوات الاخيرة همّشت فلسطين والفلسطينيين وقضيتهم، ولا تحتاج الى تعداد او توصيف. بيد ان ما يحتاج الى إعادة تذكير هو الكيفية التي آلت بها فلسطين لأن تصبح «واحدة من القضايا» الكثيرة اقليمياً بعدما كانت القضية الاولى، وكيف أُزيحت عن جدول اولويات الشأن الدولي. بل وربما الاكثر لفتاً للنظر كيف تضاءلت حتى على الاجندة الاسرائيلية لتنزلق من قضية ملحّة على مستوى السياسة والاستراتيجية الاسرائيلية العامة، إلى مجرد قضية من قضايا التنافس السياسي والمزايدة الانتهازية بين الاحزاب المتصارعة على السلطة. خلال اكثر من عشرين سنة منذ اتفاق اوسلو تحقق لإسرائيل ما لم تكن تحلم به من تهميش خارجي للقضية الفلسطينية، وتحويلها من مسألة احتلال عسكري واستعماري، إلى نزاع بين كيانين سياسيين (اسرائيل والسلطة الفلسطينية) تتكفل بحلّه «عملية سلام» مفتوحة إلى الابد! وداخلياً تمكنت من شطب الكفاح المسلح من اجندة قطاع عريض من حركة النضال الوطني الفلسطيني. تعاضد الوضع العربي الذي التصق في منحنى انهيار متدحرج منذ اتفاق كامب ديفيد، ثم حرب الخليج الاولى، وتسارع في الانهيار مع غزو صدام حسين للكويت، وبقي تسارعه حتى الآن. في العقدين العجاف المذكورين راهن الفلسطينيون على مسار المفاوضات بعد ان قدموا تنازلات تاريخية لم يتوقعها احد، كل ذلك ضمن «حاضنة» من التنازلات العربية والتأكيدات على ان المفاوضات هي الاستراتيجية العربية الوحيدة لحل الصراع مع اسرائيل. وقدمت الدول العربية مجتمعة عرضاً لم يحلم به قادة الصهاينة منذ تأسست اسرائيل وتمثل في المبادرة العربية، والتي دعت إلى اعتراف وتطبيع كاملين مع اسرائيل مقابل تطبيق حل الدولتين. اسرائيل رفضت كل ذلك، إذ كانت ولا تزال تسكرها نشوة التفوق العسكري على العرب، وتعتاش على ضعفهم المتواصل ضعفاً. وكان حظ الفلسطينيين من ذلك الضعف نصيب الأسد وتكرس بالانقسام بين «فتح» و «حماس»، والضفة وقطاع غزة منذ عام 2007.

بالتوازي مع ذلك، استمر مشروع التوسع الاستيطاني في الضفة الغربية والقدس وتعاظمت «دولة المستوطنين» ونفوذهم واستعر نفوذ اليمين الاسرائيلي وقوى التطرف الديني، وتآكلت القناعات الاسرائيلية الهشة اصلاً بفكرة «حل الدولتين». عملياً، لم يكن هناك اي ضاغط حقيقي على اسرائيل كدولة ومجتمع سياسيين وحزبيين للنظر جدياً في «المسألة الفلسطينية»، ذلك ان كل الشؤون الاسرائيلية الحياتية مستمرة، والاقتصاد مزدهر، والشواطئ مزدحمة بالمصطافين! تحولت القضية الفلسطينية والفلسطينيون بسبب ذلك من مسألة جوهرية متعلقة بمصير الوجود اليهودي في ارض فلسطين، الى مجرد كرة سياسية في الملعب الحزبي الاسرائيلي، وعادة ما تستخدم انتهازياً بهدف تجميع الاصوات الاكثر تطرفاً. بمعنى ما، تحولت فلسطين والفلسطينيون الى اداة وظيفية للتظاهر والتنافس الحزبي حيث يزعم المتنافسون أن كلاً منهم اكثر حرصاً على «امن اسرائيل» من الآخرين. وقد تفاقمت هذه الآلية في السنوات الاخيرة، كما تفاقم شعار «امن اسرائيل» وهو الذي تم تضخيمه اصلاً لغايات انتخابية وغدا وكأنه وحش حقيقي. صارت اسرائيل وهي القوة الاكبر في المنطقة هي الاكثر خوفاً وتوجساً على وجودها، وفي خضم تفاقم الخوف المصطنع، والتنافسات الحزبية، صارت تطرح شرطاً اضافياً على الفلسطينيين وهو «يهودية الدولة».

جاءت سلسلة الحروب على قطاع غزة (2009، 20012، 2014) في السياق المذكور، التباهي بمن يستطيع توجيه ضربة اكبر الى الفلسطينيين وكسر ارادتهم، والعزف على وتر «امن اسرائيل». من منظور اوسع، جاءت تلك الحروب لإنهاء آخر معاقل الكفاح الوطني الفلسطيني المسلح، و «قص العشب» كما كان يكرر السياسيون الاسرائيليون. كلما انخفضت شعبية الائتلاف الحاكم في اسرائيل، او تردّت صورة رئيس الوزراء، يلتفت حوله فلا يجد سوى قطاع غزة ليوجه اليه ضربة عسكرية تحسن من وضعه الانتخابي - مرة اخرى تقليص الفلسطينيين الى مجرد اداة في التنافس الحزبي.

في الحرب الاخيرة، انقلب السحر على الساحر وتلاحقت مفاجآت لم تكن مُنتظرة، وعلى عكس ما هو متوقع تماماً. فهنا توقع نتانياهو ان يخوض حرباً من ايام عدة تكون نزهة حقيقية بالمقارنة مع مغامراته السابقة. فهذه المرة كانت كل الظروف مشجعة: العرب في أسوأ اوضاعهم التشتتية، ومصر ناقمة على قطاع غزة و «حماس» التي تقوده، و «حماس» نفسها محاصرة ومختنقة سياسياً ومالياً، والسلطة الفلسطينية في الضفة حائرة بين ضياع البوصلة وفشل رهانها على المفاوضات، والازمة المالية المتواصلة، وتآكل رأسمالها السياسي والوطني... وكل ذلك على خلفية الانقسام الفلسطيني والعزل الجغرافي والسياسي والوظيفي المتواصل لقطاع غزة وفصمه عن الوطن الفلسطيني.

نتيجة الحرب فاجأت نتانياهو وإسرائيل برمتها، وحققت حتى الآن عكس ما هدفت اليه وربما اكثر. فمن ناحية اولى وأساسية اعادت هذه الحرب قضية فلسطين والفلسطينيين إلى واجهة الحدث العالمي، ونفضت الغبار عن مركزيتها، سواء الاقليمية او الدولية. انطلق الغرور العسكري الاسرائيلي ووحشيته الى ابعد مدى بسبب توتره الشديد نتيجة انعدام «النزهة العسكرية» التي أملها في قطاع غزة، وجرّه ذلك الى مواجهة الرأي العام العالمي الذي ذُهل لما تقوم به «الدولة الديموقراطية الوحيدة» في الشرق الاوسط. ففي قصفها وتدميرها للمدارس والمستشفيات وألوف بيوت المدنيين كانت اسرائيل تقدم نسختها «الداعشية» او «الاسدية» الخاصة بها. وبفضل الاعلام العادي والاجتماعي المعولم، اتسع نطاق التأييد للفلسطينيين وعادت الروح الى قضيتهم من جديد.

اقليمياً، عادت القضية الفلسطينية لتقضّ مضاجع العرب الذين ارادوا دوماً الاتكاء على وسائد التراخي والتخلي المتُمثلة في إحالة الموضوع كله إلى الفلسطينيين والرضى بما يرضون، وتركهم يخوضون معاركهم في السياسة والحرب وحدهم. انكشف وضع الانظمة العربية واحترق كثير من سياسييها أمام الإحراج المتراكم، ويدفع ذلك كله في الوقت الراهن إلى تحريك الكتلة العربية الساكنة ولو في الحد الأدنى. واستطاعت اسرائيل من خلال الحرب ان تجمع ضدها ولو موقتاً مواقف دول عربية وإقليمية متناقضة، من ايران وتركيا، الى مصر ودول الخليج، وصار لزاماً على كل من هذه الدول ان تظهر موقفاً افضل من الاخرى تجاه فلسطين.

فلسطينياً، حققت اسرائيل وعلى عكس ما استهدفت تماماً تعزيزاً شبه فريد للموقف الفلسطيني لم تشهده الساحة الفلسطينية منذ الانقسام عام 2007. فعوض ان تكرس الانقسام الفلسطيني وتقضي على حكومة التوافق الفلسطيني وتزيد من عزل «حماس»، رسخت هذه الحكومة، واضطرت السلطة لأن تتجه نحو مربع «حماس» والمقاومة. وما برز حتى الآن من اداء جماعي في الموقف الفلسطيني وتفويت الفرص على اسرائيل للعب على التناقضات الفلسطينية يعتبر انجازاً كبيراً، ومحرجاً لإسرائيل. وبسبب هذا الموقف الجماعي، فإن المطالب التي قدمتها «حماس» والمقاومة على طاولة المفاوضات في القاهرة اصبحت هي المطالب الفلسطينية الجماعية، وعلى رأسها فك الحصار.

المهم في المسألة الآن هو ألا تُعاد القضية الى أدراج النسيان، وأن يستمر الموقف الفلسطيني موحداً الى ما بعد مفاوضات التهدئة. ليس الهدف الوطني الفلسطيني اسقاط نتانياهو ولا الانخراط في اللعبة السياسية الاسرائيلية، بل إجبار كل الاسرائيليين على إعادة موضعة القضية في جوهر وجودهم ونقاشاتهم، وليس كأداة انتخابية. كما ان ما سيتحقق في القاهرة حتى لو كان جزئياً بالنسبة الى قطاع غزة يجب ان يكون البداية في استراتيجية هجومية جديدة تقودها حكومة التوافق، ويكون احد اهم اسلحتها جر اسرائيل الى المحكمة الجنائية الدولية، ثم مواصلة الضغط واستثمار المناخ الذي ولّدته حرب غزة وصمودها.

عن الحياة اللندنية

×
أخبار
الصحة: ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,396 شهيدا الاتحاد الأوروبي ودول الخليج اتفقوا على تأجيل القمة المقرة بينهما في الرياض باكو: وفود عربية بيها فلسطين وتركيا وباكستان تغادر قاعة المؤتمر خلال كلمة هرتسوغ صندوق النقد الدولي يحذر من طول أمد الحرب والاضطرابات المتجددة كأكبر تهديد للشرق الأوسط آيزنكوت يتعهّد بهزيمة "حماس" خلال 18 شهراً بعد قضية المسبحة.."استقالة" وزير الأوقاف الفلسطيني نتنياهو وسموتريتش يعتزمان نشر نحو ألفَي مراقب في صناديق الاقتراع بالبلدات العربية هجوم حوثي على مقر أرامكو بالظهران يدمر مكاتب الرئيس التنفيذي وكبار المسؤولين مجلس سلام ترامب لديمومة الموت في غزة! قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس: اقتحامات واعتقالات ومواجهات تحقيق جديد في الكونغرس حول تضارب مصالح كوشنر واستثماراته الإسرائيلية والخليجية سي إن إن: أمريكا تضع خططاً لاستخدام "أم القنابل" ضد إيران وثائق كتبها مساعدو نتنياهو تكشف مسؤوليته عن إخفاق 7 أكتوبر وتناقض روايته حول حماس الغارديان: إسرائيل تعرقل إنشاء قاعدة لمجلس السلام في غزة ترامب: كان ينبغي الإبقاء على قادة إيران السابقين لأنني لا أعرف مع من نتفاوض صفقة الديزل الروسي تثير الجدل.. ترامب يحمل زيلينسكي مسؤولية حرب الطاقة ويدعم موسكو تقرير: سياسات إيران ومحورها أضرت بالفلسطينيين وخدمت اليمين الإسرائيلي آيزنكوت يؤكد القدرة على هزيمة نتنياهو.. وينفي ادعاءاته بشأن عملية «البيجر» الأمم المتحدة ترصد غارات وقصفاً مكثفاً بجميع محافظات غزة وتطالب إسرائيل بوقف التضييق بالضفة باحث إسرائيلي: نتنياهو يصوغ «حقيقة بديلة» لهروب قيادته من مسؤولية إخفاق 7 أكتوبر السيسي يرد على سموتريتش برسالة إلى تل أبيب..ويؤكد موقف مصر مع فلسطين زيلنسكي: أشعر بالخيانة من قبل ترامب وهو لا يقف في الجانب الصحيح من التاريخ النقابة: جيش الاحتلال يشن حربا واسعة ضد الصحفيين الفلسطينيين لحجب جرائمها استطلاع عبري: قفزة في القوائم العربية وتقارب كبير بين المعارضة الصهيونية والتحالف الحاكم عشرات آلاف يتظاهرون في كولومبيا ضدّ الرئيس الجديد احتجاجا على سياستة الاجتماعية بيلاي: عقوبات ترامب على الجنائية الدولية غير قانونية..ربما رد فعل على خسارته نوبل أوباما: حكومة نتنياهو فقدت المبادئ الأخلاقية بتجاهلها حقوق الشعب الفلسطيني مصر تذكر ترامب بالتزامات خطة غزة بعد مرور عام على توقيع شرم الشيخ «أفريقيا كجبهة جديدة لحروب الشرق الأوسط»: ممر البحر الأحمر وأنماط الفوضى الجيوسياسية العالمية تقرير: كيف أعادت سلسلة الحسابات الخاطئة إشعال حرب السعودية في اليمن؟

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط