مجلس السلام تحول إلى مجلس لديمومة احتلال قطاع غزة..بدلا من العمل نحو تعافي قطاع غزة المبكر

إسرائيل تجنّد القاضي الليبرالي ليدافع عن جرائمها لاهاي

إسرائيل تجنّد القاضي الليبرالي ليدافع عن جرائمها لاهاي

تاريخ النشر: 2024-01-11 | 13:02

جمال زحالقة
جمال زحالقة

فاجأ رئيس الوزراء الإسرائيلي الجميع بقراره تعيين القاضي السابق بروفيسور أهرون براك، كقاض يمثل إسرائيل في محكمة العدل الدولية، التي تنظر هذه الأيام في دعوى جنوب أفريقيا بشأن جريمة الإبادة الجماعية في غزّة وبطلبها المستعجل بإصدار قرار وقائي واحترازي سريع بوقف فوري للحرب. وبموجب النظام الداخلي للمحكمة الدولية، يحق لكل من الدولة المدعية أن تعين قاضيا يمثلها، والحق نفسه محفوظ للدولة المدعى عليها. وبعد إضافة قاضيين يصبح عدد القضاة 17 لهم مكانة متساوية في المحكمة.  ويأتي قرار نتنياهو تعبيرا عن خشية إسرائيلية من إصدار قرار قانوني دولي بوقف الحرب، ومن تداعيات ذلك على مواقف الدول، وعلى مجلس الأمن وباقي هيئات الأمم المتحدة، التي تشكّل المحكمة في لاهاي سلطتها القضائية. ويأتي تعيين براك، بعد حملة مسعورة قادها معسكر نتنياهو، الذي سعى إلى "إصلاح جهاز القضاء" ودعا جهارة وبعدائية مصحوبة بالشتائم وبالإهانات إلى محو ميراث أهرون براك القضائي، ونظم عشرات المظاهرات مقابل بيته، بوصفه الممثل الأول والتاريخي للمحكمة العليا "الليبرالية". وما من شك بأن براك هو أقوى ممثل للدولة الصهيونية في ساحة القضاء الدولي، نظرا لقدراته ولخبرته ولسمعته وحتى لتاريخه الشخصي، التي تسخّر كلها في خدمة الدفاع عن الجريمة وفي محاولة سحق العدالة.

يدل تعيين أهرون براك للدفاع عن الجرائم الإسرائيلية، على أن أمورا كثيرة تغيّرت في إسرائيل، بما فيها اضمحلال أهمية القضية الساخنة، التي شغلتها قبل السابع من أكتوبر وهي الصراع على الجهاز القضائي ومكانة المحكمة العليا. وقد شطر هذا الخلاف المجتمع الإسرائيل إلى معسكرين: الأول وتمثله حكومة نتنياهو ويسعى لإدخال تغييرات جوهرية في جهاز القضاء والمحاكم وفي مقدمتها المحكمة العليا بادعاء الحد من "فرط الليبرالية"، والثاني يعمل للحفاظ على ما هو قائم من استقلالية للمحكمة ومن فصل بين السلطات ويعد القاضي أهرون براك من أهم رموزه ومفكّريه.

وهنا جاء نتنياهو بخطوة اعتبرها الكثيرون "بارعة وذكية ومُحكمة"، واختار أهرون باراك بالذات لإنقاذه وإنقاذ الدولة الصهيونية من ورطتها في ساحة القضاء الدولي. نتنياهو فعل ذلك، ليس من باب تجاوز الخلافات السابقة، بل تقديرا منه لقدرات القاضي العجوز، ورد على من انتقده قائلا بأن براك "استطاع صدّ ادعاءات قاسية ضد إسرائيل في العالم."

وقد صفّق المعسكر الإسرائيلي، الذي يصف نفسه بالليبرالي، لهذا التعيين واحتفى به ورأى فيه تعبيرا قاطعا عن "صدق" ادعاءاته بضرورة حماية المحكمة العليا باعتبارها "الدرع الواقي" لإسرائيل الدولة ولجنودها ولقياداتها السياسية والأمنية في وجه القضاء الدولي. ولم ينتقد الا القلائل قبول براك بهذا التعيين، ومنهم من خشي بأن هذا قد يلطّخ تاريخ براك (وكأنّه كان نظيفا)، ومنهم من قالها بصراحة بأن "تمثيل إسرائيل في لاهاي يعنى الدفاع عن جرائمها." وتساءل بعضهم عن معنى أن تكون في عضوا في هيئة قضائية، وتكون ممثلا لطرف المتهم فيها، وكيف أن هذا يؤدّي بالضرورة إلى فقدان النزاهة ومجافاة العدالة والبحث عن طرق وحيل لإنقاذ المتهم من الإدانة.

خلفية التعيين

هناك شبه اجماع في الرأي العام وفي أوساط النخب في الدولة الصهيونية بأن القاضي السابق أهرون باراك هو أقوى ممثل ممكن للدفاع عن حرب إسرائيل على غزة.  وعليه حظي التعيين بدعم من اليسار واليمين باعتبار براك أكبر العقول القضائية في إسرائيل. ويعود هذا التعويل على براك إلى ثلاثة أسباب مركزية:

أولا، أحد الادعاءات الإسرائيلية أمام محكمة العدل الدولية في لاهاي (وفي محافل أخرى أيضا) هو أن في إسرائيل قضاء مستقل وقوي ونزيه وعادل، وعلى رأسه المحكمة العليا. ويعد براك أهم قضاة الدولة الصهيونية منذ إقامتها ويعتبر الأب الروحي والفعلي للقضاء الإسرائيلي بصيغته الحالية، ولديه قدرة، لا ينافسه عليها أحد، على تسويق الادعاء بأن جهاز القضاء الإسرائيلي مؤهّل للتحقيق بأي خرق للقانون الدولي. فعلى مر عشرات السنين صاغ براك قرارات المحكمة العليا، بادعاء الحفاظ على "مبدأ التوازن" بين "حاجات وضروريات الأمن من جهة وحقوق الإنسان والقانون الدولي من جهة أخرى." وعمل بمثابرة وعناد على إنشاء درع واق لحماية إسرائيل وجنودها ونخبها السياسية والأمنية من الملاحقة القضائية الدولية. ويبدو أنّه كان خلف قرار النيابة العامة الإسرائيلية بالتحقيق "في شبهات خرق حقوق المدنيين العزّل انطلاقا من متطلبات القانون الدولي"، وهو قرار فصّل خصيصا للمحكمة الدولية لحثها على العدول عن التحقيق في الشأن "الإسرائيلي" بالادعاء لا حاجة لذلك ما دامت إسرائيل تحقق مع نفسها ومستعدة أن تتخذ "طواعية" إجراءات عقابية ضد المدانين.

ثانيا، استغلال المكانة الدولية لأهرون براك وعلاقاته المتشعّبة مع النخب القضائية في العالم.   وهو فعلا يتمتع بسمعة (لا يستحقها) باعتباره قاضيا ومفكّرا قضائيا يدافع عن حقوق الإنسان، حتى في ظروف معقدة مثل ظروف "الحرب على الإرهاب." وأذكر أنني ألقيت، قبل سنوات، محاضرة في كلية الحقوق في جامعة "ييل"، في الولايات المتحدة، وكانت كل التعليقات على كلامي من باب "لكنّ براك يقول.." وتحدثوا عنه بوصفه "المرجعية العليا والمعلم الأكبر" في القانون الإنساني.  ومن المعروف عن براك أنه كان يكتب قرارته القضائية حارصا على ان تكون موجهة أيضا للمحافل القضائية الدولية. ومن الواضح أنه سيلقى بكل وزنه ورصيده وسمعته لصالح تبرئة المجرم، ومنع اصدار قرار بوقف إطلاق النار وصولا الى "حماية المدنيين" التي طالما تغنّى بها.

ثالثا، تحاول إسرائيل أيضا، استغلال تاريخ براك الشخصي، بكونه هرب من الملاحقة النازية وهو طفل للادعاء بأنه لا يعقل "اتهام ضحايا النازية بتهمة الإبادة الجماعية". وقد برعت الصهيونية في الاستخدام الأداتي لكارثة "الهولوكوست" الرهيبة لتبرير الجرائم الفظيعة التي ارتكبتها وترتكبها بحق الشعب الفلسطيني. وحتى في حالة خسارة المحكمة، فإن إسرائيل تعوّل على أن يكون قرار الأقلية، الذي يسطره براك، ركيزة في الرواية التاريخية، القائمة على أن إسرائيل تمثّل ضحايا النازية وتصارع في الدفاع عنهم وعن ذريتهم، وقد عبر براك عن موقف كهذا في عدة مناسبات.

من هو براك؟

ما من شك أن براك من حيث القدرات هو "نابغة قضائي." ولكن هناك مبالغة، غير مبررة وغير مدعومة بالأدلة، في تصويره بأنه مدافع دؤوب عن حقوق الإنسان. فهو من حيث المبدأ صهيوني حتى النخاع ومن أشد المدافعين عن مبدأ الدولة اليهودية، الذي يعتبر الدولة ملكا لليهود وليس لكل مواطنيها، ومنه تشتق كل سياسات التمييز بين المواطنين على أساس القومية والعرق والدين.  وإذ أبدى براك عدم رضاه عن سياسة هدم البيوت، الا أنه امتنع دائما عن اصدار قرار يمنع هدم المنازل. وهو كذلك دعم عمليا ورسميا سياسية الاعتقال الإداري بلا محاكمة وكان ختما مطاطيا للشاباك وصادق على طلباته بشأنها. وكذلك الأمر بالنسبة للمستوطنات فهو لم يقف ضدها ولم يمس شرعيتها "القانونية"، وفردت محكمته العليا مظلتها القانونية فوق هذ المشروع الكولولنيالي. وكان براك حذرا في تعامله مع قرار المحكمة العدل الدولية، الخاص بعدم شرعية جدار الفصل العنصري، فبعد أن عبر عن "احترامه" للمحكمة وقرارها، أشار أن أمامه معطيات لم تعرض على المحكمة وعلى أساسها رفض إصدار قرار ضد بناء الجدار، ومنحه بذلك شرعية قانونية إسرائيلية.

ينتمي براك إلى ذلك التيار الإسرائيلي، الذي يريد المحافظة على مكانة القضاء الإسرائيلي في وجه اليمين المتطرف، وعلى مكانة وسمعة إسرائيل الدولية.  وفي المحصلة وفي الامتحان العملي الصعب والمصيري، هذا تيار لا يقل خطورة عن اليمين العنصري الفاشي. فأنصار القاضي براك من الطيّارين، الذي تظاهروا قبل أشهر دفاعا عن "الديمقراطية" والمحكمة العليا هم أنفسهم الذي يقصفون غزة وقتلوا عشرات وجرحوا عشرات الآلاف وهدموا أكثر من نصف المنازل فيها. اليمين المتطرف يصرخ "الموت للعرب"، واليسار "المعتدل" يقتلهم فعلا.

كون براك أكثر اعتدالا، يجعله أكثر قدرة في الدفاع عن الجريمة، كل من يريد أن يقوّض الأسس التي تقوم عليها الجرائم الإسرائيلية، عليه أن يبدأ بنزع الأقنعة المزيفة التي يرتديها "المعتدلون" الذين يرتكبون الجرائم وعن الليبراليين الذين يدافعون عنها.

عن القدس العربي

×
أخبار
الصحة: ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,396 شهيدا الاتحاد الأوروبي ودول الخليج اتفقوا على تأجيل القمة المقرة بينهما في الرياض باكو: وفود عربية بيها فلسطين وتركيا وباكستان تغادر قاعة المؤتمر خلال كلمة هرتسوغ صندوق النقد الدولي يحذر من طول أمد الحرب والاضطرابات المتجددة كأكبر تهديد للشرق الأوسط آيزنكوت يتعهّد بهزيمة "حماس" خلال 18 شهراً بعد قضية المسبحة.."استقالة" وزير الأوقاف الفلسطيني نتنياهو وسموتريتش يعتزمان نشر نحو ألفَي مراقب في صناديق الاقتراع بالبلدات العربية هجوم حوثي على مقر أرامكو بالظهران يدمر مكاتب الرئيس التنفيذي وكبار المسؤولين مجلس سلام ترامب لديمومة الموت في غزة! قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس: اقتحامات واعتقالات ومواجهات تحقيق جديد في الكونغرس حول تضارب مصالح كوشنر واستثماراته الإسرائيلية والخليجية سي إن إن: أمريكا تضع خططاً لاستخدام "أم القنابل" ضد إيران وثائق كتبها مساعدو نتنياهو تكشف مسؤوليته عن إخفاق 7 أكتوبر وتناقض روايته حول حماس الغارديان: إسرائيل تعرقل إنشاء قاعدة لمجلس السلام في غزة ترامب: كان ينبغي الإبقاء على قادة إيران السابقين لأنني لا أعرف مع من نتفاوض صفقة الديزل الروسي تثير الجدل.. ترامب يحمل زيلينسكي مسؤولية حرب الطاقة ويدعم موسكو تقرير: سياسات إيران ومحورها أضرت بالفلسطينيين وخدمت اليمين الإسرائيلي آيزنكوت يؤكد القدرة على هزيمة نتنياهو.. وينفي ادعاءاته بشأن عملية «البيجر» الأمم المتحدة ترصد غارات وقصفاً مكثفاً بجميع محافظات غزة وتطالب إسرائيل بوقف التضييق بالضفة باحث إسرائيلي: نتنياهو يصوغ «حقيقة بديلة» لهروب قيادته من مسؤولية إخفاق 7 أكتوبر السيسي يرد على سموتريتش برسالة إلى تل أبيب..ويؤكد موقف مصر مع فلسطين زيلنسكي: أشعر بالخيانة من قبل ترامب وهو لا يقف في الجانب الصحيح من التاريخ النقابة: جيش الاحتلال يشن حربا واسعة ضد الصحفيين الفلسطينيين لحجب جرائمها استطلاع عبري: قفزة في القوائم العربية وتقارب كبير بين المعارضة الصهيونية والتحالف الحاكم عشرات آلاف يتظاهرون في كولومبيا ضدّ الرئيس الجديد احتجاجا على سياستة الاجتماعية بيلاي: عقوبات ترامب على الجنائية الدولية غير قانونية..ربما رد فعل على خسارته نوبل أوباما: حكومة نتنياهو فقدت المبادئ الأخلاقية بتجاهلها حقوق الشعب الفلسطيني مصر تذكر ترامب بالتزامات خطة غزة بعد مرور عام على توقيع شرم الشيخ «أفريقيا كجبهة جديدة لحروب الشرق الأوسط»: ممر البحر الأحمر وأنماط الفوضى الجيوسياسية العالمية تقرير: كيف أعادت سلسلة الحسابات الخاطئة إشعال حرب السعودية في اليمن؟

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط