مجلس السلام تحول إلى مجلس لديمومة احتلال قطاع غزة..بدلا من العمل نحو تعافي قطاع غزة المبكر

احذروا العربي القلق... احذروا العربي المُقلق

احذروا العربي القلق... احذروا العربي المُقلق

تاريخ النشر: 2019-11-04 | 08:03

غسان شربل
غسان شربل

يجلسُ مدير المخابرات حائراً في مكتبه. واجبه يقضي بأن يُطلعَ الرئيس على الوضع في البلاد. وأن يقترح أفكاراً للخروج من المأزق. لن يستخدم كلمة المأزق في تقريره. يستحسن تفادي الكلمة التي تزعج الحاكم وتوحي له أن الأبواب موصدة ولا يمكن فتحها إلا بتنازلات جدية. وصاحب القرار لا يحب كلمة التنازل. لديه شعورٌ عميق أن الشعب طمَّاع؛ كلما قدمت له تنازلاً طالب بالمزيد.

يفكر السيد المدير ملياً. كانت الأمور أسهل في عهد أسلافه. كانت خريطة الجمهورية بأكملها ممسوكة جيداً. كانت الرواية الرسمية وحدها تحتلُّ الصحف والشاشات التي لم تكن تحتاج إلى من يذكّرها بالخطوط الحمر. وكان الجهاز يعرف ليلاً العناوين التي ستطلُّ بها الصحف صباحاً. هذا إذا لم يكن أسهم في تدبيجها. ولم يكن وارداً نشر ما يهدد النظام العام أو يشكك في صدقية الحكم. الأرقام الاقتصادية كان يجري تطويعها للإيحاء أن العجلة تدور. وأن الحكم ساهر. ويستشعر المشكلات قبل وقوعها ويعدّ لها العقاقير اللازمة.

كان الأمن مستتباً. وحين تبلغ الوقاحة بحفنة متهورة حدَّ الاعتراض علناً كانت العلاجات جاهزة ومتاحة. يستدعى الشخص إلى المقر فيدخله قلقاً أو شبه مستسلم. يتهم بالعمل لأهداف مشبوهة. وإن عاند يتهم بالعمل لمصلحة العدو بقصد أو من دون أن يدري. وسرعان ما يفهم الرجل الذي استقدم بحجة محاورته أن سلامته وسلامة خبزه وعائلته في الميزان فيقرر عدم المجازفة. وإذا كان من الرؤوس الحامية يخضع لعملية تأديب قد تكلفه بعض أظافره وأسنانه. سيخرج الرجل مكسوراً. لا الصحف ستشير إلى ما تعرض له، ثم إن التلفزيون الرسمي مشغول بقضايا أهم.

يفتح مدير المخابرات يديه. هذا العالم انتهى. إذا استدعى الجهاز مراهقاً وعاجله بصفعتين تهبُّ الصحف والشاشات والمواقع. تعليقات وتغريدات. تنهال التعليقات من منظمات حقوق الإنسان وتتلطخ سمعة الدولة. تنتشر على وسائل التواصل الاجتماعي دعوات لمظاهرات أو احتجاجات ويغلي الشارع.

ثمة مجرم خطر دخل المعادلة بلا استئذان. يسمونه الهاتف الذكي. قلَّص سلطة الأهالي على أبنائهم. وقلَّص سلطة الدولة على أبنائها. أصعب مواطن في الجمهورية. يسجل ويصور ويرسل كشاهد ورقيب. لا تستطيع الدولة زرع عسكري في كل جهاز لمنعه من الترويج والتواصل. إنه جنرال الاحتجاجات وزعيم المحرضين. كان الجهاز يستميل الكتاب أو يراقبهم أو يزجرهم أو يمنع أسماءهم من التسلل إلى الصفحات. اليوم صار كل مواطن صحافياً وكاتباً. ماذا نستطيع أن نفعل بنهر المواقف الموزعة على «تويتر» و«فيسبوك» وغيرهما؟

كانت إدارة الجمهورية أسهل. حفلة توزيع للحصص على المكونات والمناطق والأحزاب. وكان حجم الحصة مرتبطاً بالولاء الكامل. وكان يمكن استرضاء الناس بالتوظيفات والعقود والمقاعد النيابية والوزارية. وكان كل شيء يخضع قبل إعلانه لمعالجة رسمية؛ بما في ذلك معدل البطالة والتضخم وأرقام الخطة الخمسية. وكان العقاب متيسراً لمن يوزع الشكوك أو يكثر من استخدام علامات الاستفهام.

يطلب فنجاناً جديداً من القهوة. تغير العالم وتغير الناس خصوصاً الشبان والشابات. أفلتوا من أيدي الدولة. يتنادون على وسائل التواصل الاجتماعي ويتدفقون. يقولون كلاماً كبيراً وخطراً. يريدون «إسقاط النظام». ومحاكمة «الطبقة السياسية الفاسدة». وحكومة انتقالية بأسماء «نزيهة وغير ملوثة». وانتخابات حرة وشفافة تحت أنظار مراقبين دوليين. ويقولون أيضاً إن الطائفية ماتت. يخرقون قواعد التخاطب السابقة مع المسؤولين والسياسيين والرموز كأنهم يريدون إعادة تأسيس البلاد بهتافهم «كلن يعني كلن». ويُقسمون أنهم لن يرتكبوا خطأ أهاليهم حين كان يتم إسكاتهم بإطلاق الحساسيات المذهبية والمناطقية أو الوعود البراقة أو التذرع بدقة الظروف التي يجتازها الوطن. يريدون ما هو أخطر وهو «إعادة الأموال المنهوبة». لا يدرون أن توزيع المغانم كان جزءاً من صيغة استقرار.

ما أصعب التعامل مع هذا الجيل الغاضب حين يتدفق أبناؤه في الشوارع يقطعون الطرقات أو يحرقون الإطارات ويوزعون الاتهامات. إن عاجلتهم أجهزة مكافحة الشغب بالغاز المسيل للدموع لمعت صورهم على شاشات العالم وتعاطف المشاهدون مع «انتفاضتهم» أو «ثورتهم». وإن سقط منهم قتيل تحول تشييعه فرصة لإعادة إطلاق الحراك، واستقدام مزيد من الحشود إلى الساحات. كان الخوف حارس النظام والاستقرار لكنهم قتلوا الحارس. ما أصعب التعامل مع جيل «تويتر». التعامل مع الإرهابيين أسهل. ترصد مكالماتهم وتنصب لهم الكمائن وتنهال عليهم بلا رحمة.

لا يمكن تحميل الجهاز مسؤولية ما آلت إليه الأمور. بالغ السياسيون في السطو على مناجم الجمهورية. لم يتركوا فيها ما يكفي لاسترضاء الناس. وتسببوا بصراعاتهم ومناكفاتهم في نشر غسيل الدولة الوسخ على حبال وسائل التواصل الاجتماعي. لقد قطعوا الغصن الذي يقفون عليه.

هذا جيل آخر. تعب من الفقر والدولة المخلعة الأبواب. جيل يريد أن تكونَ كلمتُه مسموعة. يريد دولة عصرية. وقضاءً مستقلاً. ومدرسة حديثة. وفرصة عمل. لا يريد البطالة والاتكاء على جدران المدن. ولا التسلل في «قوارب الموت» إلى أوروبا.

يسأل المدير نفسه: هل أسهمت وسائل التواصل الاجتماعي في ولادة عربي مختلف لا يقبل بأقل من العيش في دولة تستحق التسمية؟ هل وُلد جيل جديد في الجزائر والعراق ولبنان؟ جيل لم يعد بالإمكان إعادته إلى بيت الطاعة، سواء بالرصاص المطاطي أو الرصاص الحي. ألم يكن من الأجدى التنبه لتكاثف الغيوم قبل أن تمطرَ احتجاجاتٍ احتجاجاتٍ احتجاجات؟

تأخر الوقت ولا جدوى من العقاقير القديمة والمراهم الدجّالة. لن تنقذ القوة تركيبات انتهت صلاحية استعمالها. لن يوصي بإعلان حال الطوارئ ودفع الجيش إلى الاصطدام بالأنهار المتدفقة إلى الساحات. سيحاول القول إن مرحلة انتهت وإطالة عمرها بالدم محفوفة بالأخطار والعواقب. سيكتب: احذروا الاستخفاف بجيل عربي قلق على مستقبله تحول مقلقاً لحكومات تهدد بإضاعة بلاده. الحل الاستماع إليه لا الانتصار عليه.

عن الشرق الأوسط اللندنية

×
أخبار
الصحة: ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,396 شهيدا الاتحاد الأوروبي ودول الخليج اتفقوا على تأجيل القمة المقرة بينهما في الرياض باكو: وفود عربية بيها فلسطين وتركيا وباكستان تغادر قاعة المؤتمر خلال كلمة هرتسوغ صندوق النقد الدولي يحذر من طول أمد الحرب والاضطرابات المتجددة كأكبر تهديد للشرق الأوسط آيزنكوت يتعهّد بهزيمة "حماس" خلال 18 شهراً بعد قضية المسبحة.."استقالة" وزير الأوقاف الفلسطيني نتنياهو وسموتريتش يعتزمان نشر نحو ألفَي مراقب في صناديق الاقتراع بالبلدات العربية هجوم حوثي على مقر أرامكو بالظهران يدمر مكاتب الرئيس التنفيذي وكبار المسؤولين مجلس سلام ترامب لديمومة الموت في غزة! قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس: اقتحامات واعتقالات ومواجهات تحقيق جديد في الكونغرس حول تضارب مصالح كوشنر واستثماراته الإسرائيلية والخليجية سي إن إن: أمريكا تضع خططاً لاستخدام "أم القنابل" ضد إيران وثائق كتبها مساعدو نتنياهو تكشف مسؤوليته عن إخفاق 7 أكتوبر وتناقض روايته حول حماس الغارديان: إسرائيل تعرقل إنشاء قاعدة لمجلس السلام في غزة ترامب: كان ينبغي الإبقاء على قادة إيران السابقين لأنني لا أعرف مع من نتفاوض صفقة الديزل الروسي تثير الجدل.. ترامب يحمل زيلينسكي مسؤولية حرب الطاقة ويدعم موسكو تقرير: سياسات إيران ومحورها أضرت بالفلسطينيين وخدمت اليمين الإسرائيلي آيزنكوت يؤكد القدرة على هزيمة نتنياهو.. وينفي ادعاءاته بشأن عملية «البيجر» الأمم المتحدة ترصد غارات وقصفاً مكثفاً بجميع محافظات غزة وتطالب إسرائيل بوقف التضييق بالضفة باحث إسرائيلي: نتنياهو يصوغ «حقيقة بديلة» لهروب قيادته من مسؤولية إخفاق 7 أكتوبر السيسي يرد على سموتريتش برسالة إلى تل أبيب..ويؤكد موقف مصر مع فلسطين زيلنسكي: أشعر بالخيانة من قبل ترامب وهو لا يقف في الجانب الصحيح من التاريخ النقابة: جيش الاحتلال يشن حربا واسعة ضد الصحفيين الفلسطينيين لحجب جرائمها استطلاع عبري: قفزة في القوائم العربية وتقارب كبير بين المعارضة الصهيونية والتحالف الحاكم عشرات آلاف يتظاهرون في كولومبيا ضدّ الرئيس الجديد احتجاجا على سياستة الاجتماعية بيلاي: عقوبات ترامب على الجنائية الدولية غير قانونية..ربما رد فعل على خسارته نوبل أوباما: حكومة نتنياهو فقدت المبادئ الأخلاقية بتجاهلها حقوق الشعب الفلسطيني مصر تذكر ترامب بالتزامات خطة غزة بعد مرور عام على توقيع شرم الشيخ «أفريقيا كجبهة جديدة لحروب الشرق الأوسط»: ممر البحر الأحمر وأنماط الفوضى الجيوسياسية العالمية تقرير: كيف أعادت سلسلة الحسابات الخاطئة إشعال حرب السعودية في اليمن؟

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط